الحصار امتدادٌ غير طبيعي لمسيرة قهر بدأت منذ أكثر من عقد، حين تحولت حياة اليمنيين إلى يوميات من الفقد والوجع، لم يخل منها بيت، ولم تسلم منها أسرة.

فمن لم تصبه شظايا الطائرات أصابته سهامُ الجوع والدواء المفقود، ومن نجا من نيران العدوان وقع في شراك الحصار الخانق، وكأنه قدّر لهذا الشعب أن يكون مختبرًا لقسوة البشر قبل أن يكون ضحية جغرافية أو سياسة.

هذا ما يجهله أو يتغافل عنه أولئك الذين بادروا إلى إدانة مواقف اليمن المشروعة من الأنظمة العربية، وكأن لهم في ذلك فضلًا أو شرفًا، وهم في الحقيقة يردّدون لُغةً ليست لغتهم، ويتبنون أجندةً ليست أجندة شعوبهم.

هي أجندة صهيونية الهوى والانحياز، تتخفّى وراء تحالفات عسكرية تظن أنها ترهب الآخرين، بينما هي في جوهرها تكشف عن هوان صاحبها وانبطاحه لمن لا يؤمن إلا بالحديد والنار.

لقد كان المشهد صادمًا حين استعرضت الأنظمة العربية طائراتها وقنابلها على شعب أعزلَ لا يملك إلا إيمانه وصلابته قبل عشرة أعوام، ليثبتوا وجودًا لهم في محفل القوى الكبرى، متناسين أن القوة الحقيقية في موقف شريف يذكر على مر العصور.

وهذا الموقف الشريف افتقدته فلسطين طويلًا، حين نادت العربُ فلم يجبها إلا المخلصون من أبناء هذه الأمة القليلين، ثم ما لبث أولئك المخلصون أن تحوّلوا إلى هدف للعدوان حين ناصروا غزةَ في ذروة معاناتها، وآثروا إخوانهم على أنفسهم، وقدموا الغالي والنفيس في سبيل ردع مشروع استعماري يجتاح الأرض ويسعى إلى إذلال الإنسان العربي والمسلم أينما كان، مشروع يقاتل اليوم أحرار الأمة ليتمكن غدًا من السيطرة على ضُعفائها ومرتزقتها، فيخضعهم لسياطِه واستبداده دون أن يجدوا من يدفع عنهم.

وهنا يتوجه السؤال إلى كل نظام عربي استهجن موقفَ اليمن ودافع عن العدوان عليه وحصاره، هل يرضى ذلك النظام لأبناء بلده أن يكونوا رهينةَ إرادة الآخرين في غذائهم ودوائهم وتعليمهم؟

هل يقبل أن تتحكّم عاصمة بعيدة بقوافل المساعدات وبواخر الوقود قبل أن تصل إلى موانئه؟

هل يسمح بأن يموت أطفالُه وهم ينتظرون تأشيرة علاج أو رحلة إخلاء طبي.؟!

الإجابات معروفة سلفًا، فمن خذلوا فلسطين بالأمس لن يترددوا في خِذلان اليمن اليوم، ولن يتردَّدوا في خِذلان أي شعب يناضل من أجل كرامته، لأن الذل إذا تمكن من النفوس صار طبعا، والانحناء للقوة إذا اعتاده المرء لم يعد يرى في الاستقامة إلا انحرافا.

لكن يمن الإيمان والتوكل على الله، يمن الرجال الذين لا يركعون إلا لله، لم ولن يرهبه هذا التآمرُ العربي الصهيوني المشترك، فقد مضى قدمًا في معركته الوجودية ليستعيد حقه المسلوب ويحرر ترابه من دنس المحتل وعملائه.

وما نراه اليوم من اضطرابٍ في مياه البحر الأحمر وقلق في سواحل خليج عدن ليس سوى إرهاصات النصر الذي وعد اللهُ به الصابرين.

فالمعادلة التي فرضها اليمن بصلابته بدأت تربك حسابات المعتدين، وتريهم أن الجغرافيا ليست مجرد خرائط ترسم في المكاتب، هي دماء وتضحيات تخط معالمها المقاومة بإصرار لا يلين.

وهذا الغيث الذي بدأ يتساقط على رؤوس الظالمين لن يكون الأخير، إنه وعدُ الله للمستضعفين بأن النصرَ سيأتي ولو بعد حين، وأن كل حصار سينكسر بصلابة المحاصرين، وكل عدوان سينتهي بفشل المعتدين وخِذلانهم أمام إرادة شعب قرر أن تكون كرامته فوق كل اعتبار، وأن الحياة دون عز ليست إلا موتًا بطيئًا، والموت في سبيل الحق حياةٌ أبدية لا يمحوها الزمانُ ولا تنال منها الأيام.