انتقل العداءُ والعدوان الأمريكي ضد إيران من منطق أقصى الضغوط، إلى منطق إدارة الاستنزاف، فلم تعد واشنطن تبحث عن نصر حاسم، وإنما عن مخرج لا تبدو فيه مهزومة.
وجوهر المأزق هو أن كل الخيارات المتاحة أمام واشنطن تؤدي إلى خسارة استراتيجية كبيرة، سواءٌ أكان الخيار الحرب أو التفاوض، أو الاستمرار في الوضع الراهن، وقد تجسد هذا المأزق عمليًّا في محاولتين للتصعيد العسكري في حرب الـ12 يومًا وحرب الـ40 يومًا دون تحقيق نصر واضح.
أولًا: جذور المأزق - فشل فرضية أقصى الضغوط.
قامت الاستراتيجية الأمريكية منذ 2018 على معادلة:
العقوبات القصوى والعُزلة الدولية والتهديدات العسكرية بدواعِ الانهيار الإيراني أو تغيير سلوك نظامها السياسي،
والنتائج كانت عكسية جملةً وتفصيلًا، ومن أهمها:
1️⃣. نوويًّا، رفعت إيران التخصيب إلى 60% وقلّصت عدد المفتشين وفقأت عيونَ المراقبة.
2️⃣. إقليميًّا، عززت ساحات محور المقاومة ودقّت الصواريخ ونوّعت المسيّرات.
3️⃣. اقتصاديًّا، بنت تحالفات بديلة مع الصين وروسيا وتكيّفت مع العقوبات.
والنتيجة، لم تنهَر إيران، لكن انهارت أغلب خيارات واشنطن.
ثانيًا: معضلة الخيارات المستحيلة - المسارات المسدودة.
1️⃣. خيار الحرب الشاملة، بنصر غير قابل للتحقيق
وتكلفة بشرية واقتصادية هائلة، وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، وغياب التفويض الداخلي والدولي، فاستطاعت أمريكا البدء، لكن لم يعد باستطاعتها تحديد النهاية.
2️⃣. خيار العودة للاتفاق هو اعتراف بالهزيمة السياسية
وهذا يعني الاعتراف بفشل 6 سنوات من الضغط، وتقديم التنازلات مع رفع سقف المطالب الإيرانية، هو مكسبٌ تكتيكي لطهران، وخسارةٌ استراتيجية لواشنطن.
3️⃣. خيار الاستنزاف البارد أو الأزمة بلا أفق
وهذا يعني أن كُلَّ العقوبات والضربات والحرب السيبرانية أعطت نتائجَ عكسية، ومنحت إيران وقتًا للتطور والازدهار، والمستنزف الوحيد في هذا الصراع هي أمريكا.
ثالثًا: التجلي العملي للمأزق - الحربان بلا نصر.
تجسَّد المأزِقُ الأمريكي ميدانيًّا في محاولتين للتصعيد المحدود وانتهت كلتاهما بلا أهداف أمريكية.
🥇حرب الـ12 يومًا وتمثلت في تبادل ضربات مباشرة ومحدودة الزمن بين واشنطن وكيان الاحتلال من جهة، وطهران وساحات محور المقاومة من جهة أخرى، وهدف واشنطن هو فرض معادلة ردع جديدة، وإعادة هيبة الردع الأمريكي.
والنتيجة، لم يتم تحقيق تفوق جوي واضح أو تدمير بنية تحتية حاسمة، وانتهت الحرب بتثبيت قاعدة جديدة لصالح طهران "الضربة مقابل الضربة"، وتبين أن الرد الإيراني المباشر أصبح قاعدة مقبولة، وليس خطًا أحمر لدى الأمريكان.
🥈حرب الـ40 يومًا أو حملة تغيير النظام السياسي في إيران، وتمثلت في ضربات جوية وبحرية أمريكية مكثفة ضد أهداف إيرانية وأخرى مرتبطة بإيران، استمرت 40 يومًا، استُشهد على أثرها الولي الفقيه السيد علي الخامنئي رضوان الله عليه مع ثلة من رفاقه السياسيين والعسكريين، وهدف واشنطن هذه المرة، تغيير النظام وكسر قدرة محور المقاومة على تهديد الملاحة والقواعد الأمريكية.
والنتيجة، لم يسقط النظام ولم تتوقف الهجمات ولم يتم تفكيك القدرات، فقد تم استيعاب الضربات واستمرار العمليات بوتيرة تصاعدية، وانتهت الحملة دون تغيير حتى في قواعد الاشتباك، ولم تحسم المعركة ولم يُعلن النصر الأمريكي.
في الحالتين، لم تحقق واشنطن أهدافها المعلَنة، وارتفعت كفة إيران في الكثير من الجولات، وتعمق المأزق الأمريكي وثبت بالدليل العقلي والنقلي أن القوة الأمريكية غير كافية للحسم، وأن كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التراجع.
رابعًا: القيود البنيوية التي تغلق الأفق.
1️⃣. قيود المصداقية: فالتراجع الأمريكي يعني الضعف، والتصعيد يعني التهور، فلا توجد منطقة وسطى مقنعة للداخل الأمريكي.
2️⃣. قيود الأولويات: البنتاغون يريد التركيز على الصين، لكن إيران تفرض نفسها كأزمة مفتوحة في غرب آسيا.
3️⃣. قيود غياب رؤية "اليوم التالي": فلا تصور أمريكي لما بعد الحرب، فلم يسقط النظام، ولم تحدث الفوضى، ولم يتغير السلوك، والتهديد ما زال على أشده.
▪️الخاتمة: من استراتيجية الحسم إلى استراتيجية إدارة المأزق.
ما بعد حرب الـ12 يومًا وحرب الـ40 يومًا أصبح من الواضح أن واشنطن لم تعد تملك أدوات النصر، ولا تملك ترف الهزيمة، وقد دخلت في المرحلة الثالثة في إدارة الصراع لا حسمه، والهدف الآن هو منع إيران من تحقيق انتصار استراتيجي، ومنع نفسها من الانجرار لحرب إقليمية.
وتعريف المأزق، هو تلك القوة العظمى العالقة في صراع لا تربحه أو تحسمه، ولا تستطيع الخروج منه.
والعقد القادم في هذا الصراع ليس من سينتصر فيه، بل من سيقبل أولًا بمعادلة تعايش ردعي جديدة؟