هل يعلم ترامب بأن ميلاد اليمن القوي لم يكن ضربة حظ؟

موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي

كلما رفعت أمريكا من نغمة التهديد ضد اليمن، كلما اتضحت المؤشرات على أنها إنما تعبر عن حالة اليأس والإحباط في التعامل مع الملف اليمني والقوة الصاعدة التي باتت تشكل خطرا وتهديدا حقيقيا على المشاريع الأمريكية التي تستهدف المنطقة.

فالعمى بدايةً لا يزال يخيم بسوداويته على الرؤية الأمريكية، وهو العمى الذي لا يعير فقط عن انكسار مفهوم التفوق الأمريكي الاستخباراتي في الوصول إلى المعلومة، وإنما عن تفوق يمني استثنائي في التعامل بثقة وندّية وذكاء مع الكيان الأمريكي، الأمر الذي دفع بقيادات عسكرية أمريكيا لإعطاء تصورات محمومة عن ما يمكن اتخاذه لإعادة اليمن إلى نقطة الصفر. فالخطر القادم من أقصى جنوب الجزيرة يمثل تهديدا حقيقيا وصعبا لهم، لا يمكن معه التحرك بالأريحية المعتادة، ولابد في منظورهم من التخلص منه.

وأنْ تتصدر بعض الأبواق المدفوعة لتحاول تصوير الفترة الترامبية بأنها ليست كحال فترة بايدن، وأن التعامل معها سيكون صعبا على اليمن، فإنما يعني أن اليمن قد نجح فعليا بأن يكون رقما مُربكا لأمريكا، وصار في حسابات البيت الأبيض عنوانا للمواجهة وعدم الاستقرار الأمريكي في المنطقة، لتتحول هذه الأبواق إلى منصة لصياغة الرسائل الموجهة لصالح أمريكا، أملا في المساهمة ورفع هذا الثُقل عن كاهل واشنطن.

 

بعقلية الرجل البدائي الأول

تنطلق أمريكا في تحركها ضد اليمن من عُقدة التفوق التي لا تسمح لقوة ناشئة بأن تفرض حضورها ضد الرغبة الأمريكية، ولذلك تبدو تحركاتها كما وتصريحاتها في مستوى كبير من الحماقة والسذاجة، وهكذا الوقوع في نوبة التشنج والغضب يعني الطريقة البدائية التي كان بتعامل بها الإنسان مع خصومه من البشر أو الحيوانات أو مظاهر الطبيعة القاسية.

فيما التفكير الاستراتيجي يحتم عليها التعامل مع الحقيقة اليمنية بعقلانية بعيدا على التعامل الفوقي والغطرسة في التعاطي مع حق اليمن في الدفاع عن نفسه، حتى لا تخسر أكثر على مستوى السمعة والمكانة، ورفاهية مواطنيها.

أخطأت أمريكا في حساباتها ومضت تحاول فرض واقع جديد، وشرعت في إطلاق التهديد والوعيد والحديث عن فرض السلام بالقوة.. لا سلام يمكن تحقيقه بالقوة، لو أنهم يفقهون، وكل التجارب الإنسانية أثبتت ذلك، وكل الاستخلاصات البحثية وخلاصة مخضرميّ السياسة والعمل العسكري على مستوى العالم وثقّوا في مذكراتهم ذلك، ولنا في تجربة العشر السنوات الماضية من استهداف اليمن خير مثال، إذ خرج ترامب من البيت الأبيض وعاد إليه وبلاده بكل ما أوتيت من خبث وقوة لم تنجح في فرض إرادتها على اليمنيين.

السلام الذي ظل اليمن دائما ينادي به وقدم لأجله التنازلات، لا يكون إلا بكفّ الأذى عن الآخرين، والالتزام بثوابت الدول الأخرى، أما لغة القوة فإنها لن تولّد إلا لغة مماثلة، وأمريكا ومن نهج نهجها لا تعرف من لغات العالم إلا العنف والحسم بالعنف، ولأن اليمن لا يقبل حتى أن توجه له الرسائل بمثل هكذا نغمة فإن التعليق على ما ورد على لسان ترامب جاء سريعا، بأن اليمن من سينتزعُ “سلامَ اليمنيينَ وسلامَ الفلسطينيينَ بقوةِ سلاحِنا، وقوةِ إيمانِنا، وقوةِ مبادئِنا. لا نَخافُكم ولا نرهبُكم”، وفق عضو المجلس السياسي الأعلى محمد علي الحوثي.

كما جدد اليمن التأكيد بأنه لا يمزح، وبأن السيادة الوطنية والشعب اليمني خط أحمر لا يمكن لأي كائن المساس بهما دون أن يلقى العقاب المناسب والمباشر.

 

“تكشيرة” ترامب ترتد عليه غي الداخل

الطيش الذي يقود به ترامب بلاده اغرقها اكثر في وحل المهانة، وهو يحاول استثناء العقل في تقدير الامور والذهاب الاعتباطي الى التعاطي بعبثية مع شعوب العالم، لذلك (70%) من الامريكيين اليوم يرفضون سياسته التدميرية ويرون فيها سببا اكيدا لبدء العد التنازلي لانهيار البلاد.

ارتفع ضغط ترامب عندما أرسل طائراته إلى سماء اليمن في محاولة كما يبدو لقياس مدى تأثر اليمنيين بـ”تكشيرة” وجهه التي خاطب بها العالم وهو يطلق تهديداته، لتصفعه الدفاعات اليمنية برسائل مقابلة، وهذه مسألة صادمة له ولا يتوقعها فبلاده اعتادت أن تسرح في سماء المنطقة بلا حتى أي تعليق أو إدانة.

جاءت عملية اعتراض طائرة من طراز “F-16” وأخرى تجسّسية من طراز “MQ-9” في أجواء المياه الإقليمية اليمنية في البحر الأحمر، لتصفع الصلف الأمريكي بالثبات على عدم السماح لأمريكا أو أي قوة غازية باستباحة السيادة اليمنية.

كما وأن الحدث عزز أيضا بأن الميلاد اليمني القوي ليست ضربة حظ ولا المقصود منها الاستعراض، وإنما هي ناتج اشتغال جاد ومخلص ولغاية شرعية وقانونية هي الدفاع عن النفس.

الحدث أيضا مثّل تأكيدا على تنامي القدرات اليمنية، وكذا الجهوزية التامة لمواجهة التحديات والتهديدات، ومعه لا يمكن بأي حال الأخذ بالهذيان الأمريكي الذي رأى في عملية الاعتراض تصعيدا خطيرا مهدِدا بالرد.. يقول قائد حاملة الطائرات الأمريكية “أيزنهاور” الكابتن كريستوفر: واجهنا في البحر الأحمر، صواريخ اليمنيين الباليستية، التي تطير عاليًا ثم تعود عموديًا، لم نرَ مثل هذه الصواريخ في البحر من قبل أما الطائرات المسيّرة، كبيرة، أكبر من السيارة، ضعف حجمها، مع رؤوس حربية مدمجة بداخلها حتى تتمكن من عمل ثقوب داخل السفن.

 

اليمن لا يفجر فقاعات إعلامية

ليس من حق الطائرات الأمريكية التعدي على البلد بكل القوانين والأعراف الدولية. وكون أمريكا قد تعاطت واشنطن مع الحادثة من غطرسة فإن ذلك لا يعني بإنها على حق في التحرك كما تشاء في المنطقة وفي المساس بسيادة الدول.

واليمن قالها مبكرا لا خطوط حمراء يمكن أن تمنعه من حقه المشروع في الدفاع عن النفس، والهالة الأمريكية لا تعنيه، وشعور أمريكا بالمهانة من هذا التضعضع الذي تعيشه أمر يعود للأمريكيين، أما اليمن فثوابته واضحة وخطوطه واضحة ولن يسمح بتجاوزها.

والأسلم لأمريكا أن تتجه بتلويحاتها إلى دول في المنطقة تصر على تمثيل دور المتفوق ودور المظلة بينما هي أوهن حتى من أن تحفظ أمنها الداخلي. واليمن حين يقول فإنه لا يفجر فقاعة إعلامية وإنما يأتي بمصاديق القول عملا حيا منطلقا من قوة إيمانه بالله وثقته به، ثم بما مكنه الله من تصنيعه من أسباب الردع والتأديب لقوى الكفر والنفاق.

اليمن قراره سيادي ولن يتهاون في حماية مقدرات وموارد وثروات الشعب اليمني الوطنية، بل ولن يسمح لأي كان بالمساس به أو انتقاصه أو التدخل في شؤونه الداخلية، وفي صالح أمريكا وأتباعها أن تتعلم قراءة المعطيات بشكل صحيح بعيدا عن النظرة الدونية للآخرين. وكما قال وزير الدفاع اللواء محمد العاطفي الثلاثاء إن على الأمريكيين والبريطانيين والإسرائيليين وحلفائهم أن يعيدوا التفكير ألف مرة قبل الإقدام على أي مغامرة غير محسوبة أو تصرف متهور.. وزير الدفاع أكد أيضا أن على الإقليم أن يفهم اليمن ولا وقت للمراوغات وكما كانت السنوات العشر التي مرت علقما سيكون الآتي أشد مرارة وأشد قسوة، وأن أي مشاريع تمزيقية أو تجزيئية مصيرها الفشل والشعب كله يقف ضدها”.

 

قد يعجبك ايضا