أنصار الله. تقرير | يحيى الربيعي

في مشهدٍ يمزج بين عظمة الذكرى وأهمية المشروع، دشن اليوم، ومن على منصة قاعة المركز الثقافي بصنعاء، "مهرجان شهيد القرآن" والذي تنظمه مؤسسة الشهيد زيد على مصلح للإنتاج الثقافي والإعلامي، ويستمر لثلاثة أيام، كمحطة تتجدد مع كل ذكرى سنوية تخلد ذكرى شهيد القرآن، السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه)، في خطوةٍ تعد منطلقا يتجدد لترسيخ الهوية الإيمانية، وتزخيم الحضور الشعبي حول المشروع القرآني الذي حطم الاستكبار العالمي بقيادة أمريكا و"إسرائيل".

يبرز المهرجان كبيانِ انتصارٍ يربط بين جغرافيا الحصار في مران عام 2004 وجغرافيا السيطرة والسيادة في البحر الأحمر، ليؤكد أن ذات الترسانة التي ظنت واشنطن أنها ستمحو بها المشروع القرآني في مهده، تقف اليوم بوارجها وحاملات طائراتها عاجزةً عن كسر إرادة اليمن التي صُقلت بين أزيز الرصاص في شعاب صعدة، لتتحول من حالة استضعاف محاصر إلى قوة إقليمية تفرض معادلاتها الردع.

إن الربط بين الحقبتين يكشف عن هزيمة استراتيجية مدوية للمشروع "الصهيو-أمريكي"؛ ففي عام 2004 سخَّرت أمريكا -عبر أدواتها- نظاماً وجيشاً وألوية من المرتزقة والقتلة المأجورين، وصبت من قذائف حقدها، ظنت بذلك أن القوة المادية قادرة على استئصال الوعي القرآني، لكن الحقيقة التي يجسدها واقع اليوم تؤكد أن تلك الوحشية الإجرامية لم تكن إلا الوقود الذي أنضج روح المقاومة، وحول الوعي الذي دعا إليه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه، إلى قوة إقليمية ضاربة تحاصر اليوم مصالح الكيان الإسرائيلي وتفقأ عين الهيمنة الأمريكية في أهم الممرات المائية الدولية.

ومن هنا فإن مهرجان شهيد القرآن محطة لإبراز عظمة المشروع القرآني وقدرته على التصدي للطغيان الصهيوني الأمريكي، نتيجة للأثر الذي صنعه في نفوس الناس حينما تسلحوا بالقرآن الكريم، ليثبتوا للعالم أن موازين القوى لا تُصنع في "البنتاغون"، بل في قلوبٍ تتولي الله ورسوله وأعلام الهدى، وتعرف أن الانتصار يبدأ بكسر القيود النفسية.

تفكيك الذرائع وكسر هيبة الطغيان

في مشهدٍ يفيض بالولاء والاعتزاز، وتحت ظلال الذكرى السنوية لاستشهاد السيد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه، تحولت قاعة المركز الثقافي بالعاصمة صنعاء إلى ساحة استنفار ثقافي وفني، وفي خطابٍ تجديدي لمنهجيةٍ سياسية وميدانيةٍ متكاملة، استعرض الأستاذ أحمد حامد، مدير مكتب رئاسة الجمهورية، ملامح المشروع الذي أسسه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي، رضوان الله عليه، مؤكدا أن شهيد القرآن كان الرجل الاستثنائي في مرحلةٍ استثنائيةٍ وحرجة من تاريخ الأمة، مشيراً إلى أن المشروع القرآني لم يكن ترفاً فكرياً، بل مشروعاً تنويرياً وتصحيحياً، واقعياً وحضارياً، أخلاقياً وقيمياً جامعاً، يتميز بكونه مشروعاً عملياً لإنقاذ الأمة وانتشالها من مستنقع الهوان والذلة، وإخراجها من ظلمات الهيمنة الأمريكية.

وحلل حامد الظروف التي أحاطت بظهور المشروع القرآني، مسترجعاً مشهد الحملة العدوانية الأمريكية على الأمة التي أعلنها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عقب مسرحية 11 سبتمبر، وكيف خطط اللوبي الصهيوني لضرب الإسلام والمسلمين، واحتلال الشعوب تحت عنوان مكافحة ما يسمى الإرهاب، وسط مشاهد بشعة في سجن "أبو غريب" تعبر عن النفسية اليهودية والعداوة الشديدة للإسلام.

وفي هذا المناخ المأساوي الذي ساد فيه صمتٌ إسلامي مخجل وعجز واستسلام مهين، برز السيد حسين كرجل المرحلة الذي حطم جدار الصمت وبدد ظلمات الخوف وقدم الحل في زمن غابت فيه الحلول، منطلقاً من القرآن الكريم ككتابٍ هداية، وأوسع من الحياة، فيه الهدى الكامل والنور والبصائر، وبه ترتبط عزتنا وقوتنا وفلاحنا.

وتوقف مدير مكتب الرئاسة عند المناقب الجهادية لشهيد القرآن، الذي برز في الميدان فارساً صارخاً في وجه المستكبرين بهتاف الحرية وشعار البراءة، لافتاً إلى أن هذا الشعار ليس مجرد كلمات، بل هو سلاح فاعل، وموقف مؤثر، يحصن الأمة من الولاء لليهود والنصارى، ويوجه بوصلة العداء نحو أعداء الأمة الحقيقيين من أئمة الكفر (أمريكا وإسرائيل). وأكد أن شهيد القرآن نجح في بناء أمة قرآنية عظيمة، عزيزة قوية، أسقطت الطواغيت وأذلت المستكبرين، وذلك بعد أن صحح المفاهيم الثقافية المغلوطة ورسخ الثقة المطلقة بوعد الله، محذراً -في الوقت ذاته- من أن الساكتين هم صناع الباطل

وبنبرةٍ تكشف عمق التحول الميداني، أشار أحمد حامد إلى أن تضحيات شهيد القرآن في مران، حيث واجه حرباً عسكرية شاملة استخدمت فيها طائرات الميج والمروحيات والصواريخ والمدفعية في ظل تكتيم إعلامي كبير، قد أثمرت اليوم واقعاً يذل قوى الاستكبار، فالمجاميع التي بدأت من الصفر أصبحت اليوم بالملايين تكبر الله وتصرخ في وجه أمريكا وتضربها وتتحداها، وتحولت تلك الصرخات إلى صواريخ ومسيرات نضرب بها البارجات الأمريكية وحاملات الطائرات، وأصبحت صواريخنا التي صنعناها بأيدينا تقصف إيلات واللد وغيرها من البلدات المحتلة، وهو ما يجسد فعلياً زمن الغربلة الذي تنبأ به الشهيد، حيث يتغربل فيه الناس فيكونون صفين فقط؛ مؤمنين صريحين ومنافقين صريحين".

وفي ختام كلمته، شدد أحمد حامد على أن أحداث غزة اليوم وأشلاء أطفالها التي كشفت صدق ما حذر منه شهيد القرآن، وفضحت العناوين الزائفة التي ترفعها أمريكا والغرب الكافر. وجدد العهد بأن يظل اليمن على هذا الدرب "تحت قيادة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي"، مؤكداً للإخوة في فلسطين أن المعركة واحدة والعدو واحد، وأن المسيرة ستتواصل "بإيمانٍ صادق وعزمٍ لا يلين"، حتى تحقيق النصر الكامل وإقامة القسط، متمسكين بالمشروع الذي أثبت الواقع أنه الحل والمخرج الوحيد لما تعانيه أمتنا، والسبيل الذي يعيد لها عزتها وكرامتها ومجدها.

بوابة الخروج من عباءة الوصاية

وفي خطوة وصفها المدير التنفيذي لمؤسسة الشهيد زيد علي مصلح رائد جبل، بأنها محطة استراتيجية لاستلهام المشروع القرآني ومواقفه المشرفة. وأكد أن هذا الحراك الثقافي ليس مجرد إحياء لذكرى وكفى، وإنما محطة تزود مستمرة من دروس شهيد القرآن وثقافته، لضمان استمرار المواجهة ضد المشروع الأمريكي والإسرائيلي، واستنهاض الأمة بما يحقق التمسك بكتاب الله.

وعلى وقع الانتصارات التي يسطرها اليمن اليوم، رسم نائب وزير الإعلام، الدكتور عمر أحمد داعر البخيتي، لوحة سياسية مشبعة بدلالات التحرر، معتبراً أن ذكرى القائد المؤسس تأتي لتذكرنا بمن أوقد شعلة الإيمان وحب التولي والاعتماد على الله في قلوبنا.

وأوضح البخيتي أن هذا المشروع كان البوابة التي خرج عبرها اليمن ودول محور المقاومة من تحت عباءة الاستعمار الجديد، محطماً الهيبة الزائفة لأمريكا والكيان الإسرائيلي. وأضاف أن هذه الهزيمة المدوية للقوى الاستعمارية لم تكن لتتحقق لولا التمسك بأعلام الهدى، ومواصلة القيادة الحكيمة ممثلة بالسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي الذي حمل لواء هذا المشروع والنهوض به في أحلك الظروف.

من جانبه، وضع رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، عبد الرحمن الأهنومي، حصاد عشرين عاماً من الصمود في ميزان التقييم، مشيراً إلى أن مشروع شهيد القرآن أثمر اليوم عزة وكرامة وثقافة قتالية تتحرك بوعي في مواجهة الأعداء.

وأكد الأهنومي أن اليمن بات اليوم -بفضل ثمار هذا المنهج- النموذج الأمثل الذي يُحتذى به في العالم الإسلامي أجمع، سواء في الثبات على الحق أو في القدرة على تسطير المواقف القوية ضد قوى الاستكبار.

وخلص إلى أن ما يعيشه اليمن اليوم من شموخ هو التجلي العملي لروح الإسلام التي أحياها السيد حسين بدر الدين الحوثي، لتصبح واقعاً يكسر قيود الارتهان ويصنع موازين قوى جديدة في المنطقة.

منصة سنوية متجددة

وفي سياق إحيائي يربط الماضي الجهادي بطموحات المستقبل، كشف الإعلامي أسامة ساري عن الأبعاد الجوهرية لتدشين مهرجان شهيد القرآن، الذي انطلقت فعالياته التأسيسية اليوم بالتزامن مع الذكرى السنوية لاستشهاد السيد حسين بدر الدين الحوثي، مؤكداً أن هذا المهرجان يمثل منصة سنوية متجددة ستشهد توسعاً وتنظيماً أوسع في الأعوام المقبلة لترسيخ المشروع القرآني في الوجدان الشعبي.

وتوقف ساري عند اللحظات الفارقة التي سبقت الاستشهاد، معيداً رسم مشهد الغدر والخيانة الذي تورطت فيه السلطة الظالمة والإدارة الأمريكية بشكل مباشر، حيث لم تكن الحرب الغاشمة التي شُنت في عام 2004 مقتصرة على سلطة العمالة، بل كانت بإيعازٍ ودعم ومشاركة أمريكية ميدانية استهدفت وأد المشروع القرآني، وهو ما تجلى في حجم الوحشية التي صُبت على منطقة "مران"، حيث سُجل في ليلة واحدة من القصف الجوي والمدفعي والبحري كثافةٌ نيرانية تجاوزت ما ضُرب على العاصمة العراقية بغداد، في محاولة يائسة من نظام الارتهان السابق والألوية المرتزقة والقتلة المأجورين لكسر إرادة الثبات القرآني.

وفي تحليلٍ دقيق للخلفيات السياسية لذلك الاستهداف، استشهد ساري بالاعترافات العلنية التي أطلقها السفير الأمريكي بصنعاء آنذاك عبر صحيفة "الشرق الأوسط"، حين صنف السيد حسين بدر الدين الحوثي كخطر حقيقي يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، وهو اعتراف يعكس إدراك الصهيونية العالمية لخطورة عودة الأمة إلى القرآن الكريم؛ كون اليهود يدركون تماماً أن تمسك المسلمين بمبادئهم يعني بناء أمة واعية غير قابلة للاختراق أو التدجين، ومحصنة ضد كافة أساليب الاستلاب الفكري والمادي التي يمارسها الاستكبار العالمي.

واختتم ساري تصريحه بالتأكيد على أن هذه الفعالية تأتي لتعزيز الوعي والمنهج الذي جاء به شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي لتجديد روح الإسلام، وصياغة أمة مؤهلة وقادرة على مواجهة المشروع الأمريكي - الإسرائيلي، مشدداً على أن استهداف شهيد القرآن كان استهداف للمشروع الذي يحمله، والذي يسعى لربط الأمة بمصادر قوتها وعزتها، ما يجعل من إحياء هذه الذكرى ضرورة استراتيجية لإحياء ما أراد الأعداء إماتته في جسد الأمة.