موقع أنصار الله . تقرير
في قراءة شفافة لمضامين المحاضرة الرمضانية الرابعة التي ألقاها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حول ما جاء عن قصة نبي الله موسى عليه السلام في سورة القصص، يتجلى بوضوح كيف أعاد النص القرآني صياغة دور المرأة بما يتجاوز النظرة التقليدية الضيقة، واضعاً إياها في قلب "التدبير الإلهي" لصناعة التحولات التاريخية الكبرى، حيث يبرز السيد القائد أن اختيار الله لأم موسى "عليها السلام" لتكون المستودع الأول والمؤتمن على حياة نبي كلف بإنهاء طغيان فرعون، وهو الدور الذي تحول إلى اصطفاء رسالي منح الله من خلاله المرأة ممثلة في أم موسى موقعاً ريادياً في معركة التحرر من الاستضعاف.
يوضح السيد القائد بأسلوب تحليلي عميق التباين الجوهري بين مدرستين في التعامل مع الإنسان والمرأة تحديداً؛ فبينما يمارس الطغاة، وفي مقدمتهم "فرعون وهامان" وجنودهما، سياسات قائمة على "المحاذير والإجراءات الاحترازية" والتقديرات الاستخباراتية التي تدفعهم لارتكاب أبشع الجرائم كذبح الأطفال واستضعاف المجتمعات لضمان بقاء عروشهم، يأتي التدبير الإلهي ليخترق تلك التحصينات عبر امرأة، حيث يورد السيد القائد أن الوحي لأم موسى وتوجيهها في تلك الظروف المعقدة هو أسمى صور التكريم، كونه ربط مصير أمة كاملة بقرار وثبات امرأة مؤمنة، وهو ما يفضح زيف الادعاءات التي تحاول تهميش دور المرأة في المسار الإيماني أو تصويرها ككيان ثانوي.
ففي سياق المقارنة المعاصرة، يضع السيد القائد الوعي القرآني في مواجهة الجاهلية الحديثة التي تقودها أمريكا والكيان الإسرائيلي، مشيراً إلى أن الحضارة الغربية سعت لتفكيك البنية المجتمعية عبر عزل المرأة عن محيطها الأسري والاجتماعي، وتحويلها إلى كيان منفصل يتحرك تحت عناوين سياسية براقة لكنها تهدف في جوهرها إلى الاستغلال والامتهان، حيث يبين كيف أن الغرب سلب المرأة وأساء توظيفها في أدوار تخريبية تمس الفطرة الإنسانية، على العكس تماماً من النموذج القرآني الذي قدم أم موسى والسيدة مريم "عليهما السلام" كأركان أساسية في مهام نبوية واجتماعية مقدسة، حافظت على كرامتهن وأعلت من شأن أدوارهن التربوية والرسالية.
ويشدد السيد القائد على أن استهداف المرأة هو جزء من مخطط أوسع يستهدف المجتمع بكله، مستشهداً بما يرتكبه الكيان الإسرائيلي في فلسطين من قتل وتجويع يطال المرأة والرجل والطفل دون تمييز، ليدلل على أن محاولة الغرب تصوير المرأة كعالم مستقل إنما هو فخ يرمي إلى إضعاف جبهة المستضعفين، فالتكريم الإلهي جعل من دور المرأة في أسرتها عملاً جهادياً ورسالياً يتكامل مع دور الرجل، وهو ما تجسد في قصة أم موسى التي واجهت بيقين كل ترسانة فرعون العسكرية والأمنية، لتثبت أن القيمة الحقيقية للمرأة تكمن في انتمائها للمسار الإيماني الذي يصون كرامتها ويجعل منها شريكة في صناعة النصر والتحرر.
تتحدد معالم التكريم الإلهي للمرأة في الرؤية التي يقدمها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي من خلال استنطاق الدروس القائمة في سورة القصص، فالاصطفاء الإلهي للمرأة لم يكن تشريفاً معنوياً فحسب، وإنما تمكيناً استراتيجياً جعل من إرادة المرأة المؤمنة وسيلة لكسر حتمية الطغيان، فبينما كان فرعون يحكم قبضته على مفاصل القوة العسكرية والاستخباراتية، كانت "أم موسى" و"امرأة فرعون" تمثلان اختراقاً ربانياً لمنظومة الظلم من داخلها ومن نقطة ضعفها الأبرز.
ويتجلى ذلك الدور الرسالي لأم موسى في كونها الطرف البشري الأول الذي تلقى الخطة الإلهية للمواجهة، حيث يشير السيد القائد إلى أن الوحي إليها يقطع الطريق أمام المشككين في أهلية المرأة لتلقي التوجيهات الكبرى وإدارة المهام الصعبة، فقرارها بإلقاء رضيعها في "اليم" لم يكن نابعاً من عاطفة مجردة، بقدر ما جاء نتيجة عن وعي إيماني عميق يدرك أن الرعاية الإلهية أمنع من الحصون الفرعونية، وهو ما يؤصل لمفهوم "المرأة الرسالية" التي تتحمل أعباء حماية الرسالة في أحلك الظروف، متجاوزةً حالة الاستضعاف التي فرضتها سياسات الذبح والاضطهاد، لتصبح بفعلها ذاك شريكة أساسية في تأسيس مرحلة الخلاص التاريخي.
وفي سياق متصل، يبرز دور "امرأة فرعون" كنموذج للمقاومة من "المسافة صفر"، إذ مثلت الحماية السياسية والاجتماعية التي هيأها الله لنبيه موسى داخل قصر الطاغية نفسه، ويظهر كيف أن وجودها في بيت رأس الكفر لم يمنعها من أداء دورها الرسالي في احتضان "بذرة التغيير"، وهذا يقدم دليلاً قاطعاً على أن كرامة المرأة لا تستمد من محيطها المادي أو انتمائها لطبقة السلطة، ولكنه يستمد من استقلاليتها الإيمانية وقدرتها على اتخاذ موقف منحاز للحق في مواجهة الأقربين إذا كانوا طغاة ، وهو ما ينسف الادعاءات الغربية التي تروج بأن تبعية المرأة للأسرة تمحو شخصيتها السياسية أو الفكرية.
يضع السيد القائد مقارنة جوهرية بين "الاصطفاء" الذي حازت عليه السيدة مريم وأم موسى، وبين مفهوم "التمكين" في الأجندات الغربية المعاصرة، فبينما يرفع الإسلام من شأن المرأة بجعلها ركناً في مشروع هداية البشرية وحفظ النسل الرسالي، يسعى النموذج الغربي إلى "تمكينها" عبر انتزاعها من فطرتها وتحويلها إلى أداة لتفكيك النسيج الاجتماعي، ويؤكد أن سياسات أمريكا والكيان الإسرائيلي في تسليع المرأة لا تختلف في جوهرها عن سياسة فرعون في استحيائهن، فكلاهما يهدف إلى إفراغ المرأة من محتواها الرسالي واستخدامها كأداة للسيطرة والتدجين، بينما يمنحها النهج القرآني دوراً قيادياً في "صناعة الرجال" وحماية المستضعفين، وهو تكريم لا يضاهيه أي شعار حقوقي زائف.
وتأسيساً على ذلك، فإن سنة الله في الاختراق كمنهجية عملية للمرأة المسلمة في مواجهة العلو والاستكبار المعاصر الذي تقوده أمريكا والكيان الإسرائيلي، فكما استطاعت أم موسى بوعيها، وامرأة فرعون بثباتها، اختراق المنظومة الفرعونية وتجاوز إجراءاتها الاحترازية، فإن المرأة اليوم مدعوة لاستلهام هذا الدور الرسالي لإفشال مخططات الحرب الناعمة التي تستهدف ضرب القيم وتفكيك المجتمعات من الداخل، وذلك من خلال:
أولاً: الوعي مقابل التضليل: إن أولى ركائز استلهام نموذج أم موسى تكمن في الاعتماد على الرؤية القرآنية كمصدر وحيد لتعريف الهوية والدور، بعيداً عن المفاهيم الغربية التي لا تعدو كونها أدواراً تفكيكية، فالاختراق يبدأ حين تدرك المرأة أن استهدافها بالبرامج والمنظمات الدولية ليس تقديراً لمكانتها، بل هو إجراء احترازي طاغوتي يهدف إلى منع نشوء جيل مؤمن ومقاوم، تماماً كما كان فرعون يذبح الأبناء ويستحيي النساء لضمان السيطرة الدائمة، وبناءً على ذلك، يصبح التزام المرأة بهويتها الإيمانية هو السلاح الذي يسقط الحسابات المستقبلية للأعداء ويحمي حصن الأسرة من التحلل.
ثانياً: الدور القيادي في صناعة المتغيرات من قلب الأسرة: الميدان الأسري هو الثغر الأول لمواجهة الطغيان، حيث يبرز دور أم موسى كقائدة رسالية لم تكتفِ بالدور العاطفي، بل أدارت عملية حماية القيادة في أصعب الظروف الأمنية، وفي العصر الراهن، يتمثل هذا الدور في تحويل الأسرة إلى مدرسة للصمود تُخرّج أجيالاً عصية على التدجين الثقافي الغربي، وبذلك تتحول المرأة من مستهدفة بالاستلاب إلى فاعلة في التغيير، حيث تساهم في صناعة واقع يرفض التبعية لأمريكا ويسعى لخلاص الأمة من الهيمنة الصهيونية.
في ضوء هذه المعالم القرآنية الواضحة، تتأكد حقيقة مركزية مفادها أن المرأة في الرؤية الإلهية ليست هامشاً في حركة التاريخ، ولا تابعاً في معادلة الصراع، بل ركيزة أصيلة في مشروع التحرر والتمكين، حين تتصل بالله وتستمد وعيها من هديه، فالتدبير الإلهي الذي اخترق أكثر الأنظمة الفرعونية بطشاً عبر قلب أمٍ مؤمنة، لا يزال قادراً على اختراق كل أنظمة الاستكبار المعاصرة، متى ما وُجد الإيمان الصادق والوعي الرسالي والثبات على المبدأ.
إن استعادة النموذج القرآني في فهم دور المرأة ليست مجرد مراجعة فكرية، بل ضرورة حضارية في زمن تتكالب فيه مشاريع الاستلاب والتفكيك، وتُرفع فيه شعارات براقة تخفي وراءها إرادة الهيمنة وإعادة تشكيل المجتمعات وفق مقاييس مادية بحتة، وبين “الاصطفاء” الذي يمنح المرأة شرف المشاركة في صناعة الخلاص، و”امتهان المرأة” الذي يحولها إلى أداة في صراعات القوى الكبرى، تتحدد هوية المعركة وحدود الموقف.
وعليه، فإن الطريق إلى مواجهة طغيان “الحسابات الاحترازية” وسياسات الإخضاع لا يبدأ من ساحات الصخب الإعلامي، بل من إعادة بناء الوعي، وترسيخ اليقين، وتحويل الأسرة إلى قلعة قيمية عصية على الاختراق، هناك، كما بدأت قصة نبي الله موسى عليه السلام، تبدأ التحولات الكبرى بثباتٍ لا يتزعزع.
إن التكريم الإلهي للمرأة ليس شعاراً، بل تكليفاً؛ وليس امتيازاً شكلياً، بل مسؤولية تاريخية، تُحمل فيها أمانة الرسالة، وتُصان فيها هوية الأمة، ويُمهَّد بها لمرحلةٍ يتهاوى فيها الطغيان مهما بلغت احتياطاته، لأن سنن الله تمضي بثبات نحو وعدٍ لا يتخلف.