موقع أنصار الله . تقرير

في خضمِّ المعاناة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم، وفي زمن اشتداد وطأة الاستكبار العالمي بقيادة أمريكا و"إسرائيل"، تبرز الحاجة الملحّة إلى استلهام النور من مشكاة النبوة، والرجوع إلى كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد جعل الله تعالى في قصص الأنبياء والسابقين عبرةً لأولي الألباب، وهادياً للذين آمنوا يثبت به قلوبهم ويرشدهم إلى سواء السبيل.
 إن الأمة التي تواجه اليوم آلة طغيان عالمية لا تعرف للرحمة سبيلاً، ولا تردعها عن جرائمها أية مواثيق أو أعراف، هي بأمسِّ الحاجة إلى قراءة متجددة لقصص الصراع بين الحق والباطل في القرآن الكريم، لا بوصفها سرداً تاريخياً مضى وانقضى، بل بوصفها منهج حياة وخريطة طريق تقدم الحلول الجذرية لمشكلات الحاضر، وتضيء دروب المستقبل، ومن أبرز هذه القصص وأعظمها، قصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون، ذلك الطاغية الذي تجبر في الأرض وأفسد فيها، وظن أن قوته وجنوده ستحميه من بأس الله، فكانت نهايته عبرة للعالمين، فهذه القصة التي نقرؤها اليوم بعين البصيرة، نجد فيها تطابقاً مذهلاً مع واقعنا المرير، حيث حلَّت أمريكا و"إسرائيل" محل فرعون في طغيانه واستكباره، بل وفاقتاه في إجرامه وتجبره، فما هو سبيل الخلاص؟ وكيف نستلهم من هذه القصة العظيمة دروس المواجهة والثبات؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه استنادا إلى ما ورد في المحاضرة الرمضانية الخامسة للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- الذي جدد قراءة هذه القصة، واضعاً النقاط على حروف الصراع الوجودي الذي تخوضه الأمة اليوم.

دروس من طغيان فرعون واستكبار أمريكا و"إسرائيل"

يبدأ الحديث عن القصص القرآني من نقطة مركزية غاية في الأهمية، وهي أن الله سبحانه وتعالى لم يقص علينا نبأ من مضى لمجرد التسلية أو المتعة التاريخية، بل {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. أي أن هذه القصص تُتلى لتنمي فينا الإيمان، وتجعل منه قوة دافعة نحو اليقين بالله، والثبات على الحق، والفهم العميق لسننه تعالى في الكون وهذا الفهم هو الذي يحول الإيمان من مجرد شعور في القلب إلى سلوك عملي وصمود أسطوري، حتى في أحلك الظروف وأشدها قسوة، ونحن اليوم، كأمة تعيش حالة استهداف واستضعاف غير مسبوقة، ونرى قوى الطغيان العالمي وعلى رأسها أمريكا و"إسرائيل" تمارس أبشع أنواع الإجرام والعدوان، نكون أحوج ما نكون إلى هذا الإيمان الذي يربطنا بالله، ويجعلنا نوقن أن تغير الأحوال ممكن، وأن النصر حليف الصبر والثبات.
إن الصورة التي تعيشها الأمة اليوم هي صورة طبق الأصل عن مشهد الطغيان الفرعوني القديم، مع اختلاف الأسماء وتطور الأدوات، فالذين كانوا يوم أمس مستضعفين في قصة نبي الله موسى عليه السلام، هم اليوم طغاة العالم، وقد حلوا محل فرعون في عتوه واستكباره، بل وفاقوه في إجرامه وتجبره، إن التحدي الذي يواجهنا اليوم هو نفسه التحدي الذي واجه بني إسرائيل آنذاك، عدو غاشم لا يعرف للرحمة سبيلاً، ولا يردعه عن جرائمه عهد أو اتفاق، ولا تخفى أهدافه التوسعية والإبادية، ونحن نرى ذلك واضحاً جلياً في ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة جماعية وحصار وتجويع، وفي الاعتداءات اليومية على لبنان، وفي الانتهاكات المستمرة في الضفة الغربية، هذا العدو، وبالرغم من محاولاته التمويهية الخادعة عبر ما يسمى بـ "مجلس السلام" أو غيره من العناوين البراقة، إلا أنه يفضح نفسه يومياً بأفعاله الإجرامية على الأرض.
إن استهداف المسجد الأقصى، وفرض القيود على المصلين، ووضع سقف عددي لصلاة المسلمين في قبلتهم الأولى هو حلقة في سلسلة طويلة تهدف إلى تهويد القدس وتدمير الأقصى وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه، إنها خطوات "ترويضية" متدرجة، يريد العدو من خلالها قتل رد الفعل الإسلامي، ودفع الأمة نحو اللامبالاة والتخدير، حتى إذا جاءت الضربة القاضية، لا يجد من يقف في وجهها.
وما تصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني، التي يؤكد فيها على "حق إسرائيل التوراتي في السيطرة على المنطقة من النيل إلى الفرات" حسب زعمه، إلا تأكيد على الأهداف العدوانية الصهيونية التي تستهدف كل الأمة فهذه الكلمات ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي تعبير عن سياسة أمريكية - صهيونية واضحة تهدف إلى السيطرة الكاملة على المنطقة وشعوبها وثرواتها، ضمن ما يسمى بمشروع "إسرائيل الكبرى"، وهذا الوضوح في العدوان والهدف، يجعل من أي خيار غير المواجهة المباشرة، خياراً واهماً وسراباً لا جدوى منه.
إذاً، فسبيل الخلاص واضح لا لبس فيه، وهو الطريق الذي رسمه القرآن الكريم للأمة في كل العصور: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. إنه الاعتصام بالله، والرجوع إليه بصدق ووعي وعمل، والاستنارة بهديه المبارك في القرآن الكريم، الذي يقدم لنا تشخيصاً دقيقاً لأعدائنا، ويكشف لنا خفايا نفوسهم وأهدافهم، ويصور لنا سلوكياتهم الإجرامية التي نراها مصاديق حية على أرض الواقع كل يوم. 

سبيل خلاص المستضعفين

إن التجارب المريرة التي مرت بها الأمة، وخاصة تجربة "أوسلو" وما تلاها من اتفاقيات، خير دليل على أن الرهان على غير الله هو ضرب من السراب، فكل المسارات الدبلوماسية والتفاوضية التي سلكتها "السلطة الفلسطينية" وغيرها، لم تجلب للشعب الفلسطيني سوى المزيد من القتل والتهجير ونهب الأرض وبناء المغتصبات،  فهي بالتالي مسارات استهلاكية واستنزافية أضاعت الوقت والجهود، ولم تزد العدو إلا تمادياً في غيه وطغيانه، وبالتأكيد فإن النجاة لا تكون إلا بمواجهة هذا العدو، والسعي الجاد للتخلص منه، على أساس قوي من الإيمان بالله والثقة بنصره.
وهنا يأتي دور القصص القرآني ليرسخ فينا هذه الحقائق الكبرى، ويقدم لنا صورة متكاملة عن التدبير الإلهي لخلاص المستضعفين، فقصة نبي الله موسى عليه السلام لم تكن قصة خلاص آني ومعجزة مفاجئة، بل كانت مساراً عملياً طويلاً، بدأ برعاية الله لأم موسى وإلهامها، ثم بحمل موسى عليه السلام للرسالة الإلهية، ثم بالصراع الطويل مع فرعون وجنده، فالله سبحانه وتعالى علمنا أن الخلاص يأتي على أيدي أوليائه الهداة، وفي إطار مهمة مقدسة تهدف لإقامة الحق والعدل، ومحو الباطل والظلم، إنها ليست مجرد معركة سياسية أو عسكرية، بل هي صراع عقائدي وثقافي بين قيم الحق والعدل من جهة، وقيم الباطل والطغيان من جهة أخرى.
إن مشهد أم موسى عليه السلام وهي تضع وليدها الرضيع في التابوت وتلقيه في اليم، هو أعظم مثال على الثقة بالله والإيمان بوعده الحق، لقد كانت أمامها تعليمات إلهية واضحة: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}، وهذه مهمة تستعصي على المنطق البشري، وتتناقض مع غريزة الأمومة، ولكنها تمثل قمة التسليم لله والثقة بتدبيره، لكن بذلك اجتاز نبي الله موسى عليه السلام بذلك الأول (البحر)، ووصل إلى الخطر الأكبر (عدو الله)، لكنه كان محفوظاً بعين الله التي لا تنام، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، وهكذا نجد أن البحر الذي كان في بداية القصة طريق نجاة لموسى عليه السلام، سيكون في نهايتها طريق هلاك لفرعون وجنده، وهذا تأكيد على قدرة الله المطلقة، وأنه بيده ملكوت كل شيء، يقلب الموازين كيف يشاء، وينصر عباده المستضعفين إذا هم استجابوا له واعتصموا به ، وبالتالي فإن الثابت الوحيد في هذه المعادلة هو سنة الله في النصر لأوليائه، وهلاك أعدائه.
إن الربط بين صراع موسى وفرعون وصراعنا مع أمريكا و"إسرائيل" ليس ربطاً اعتباطياً أو مجرد تشبيه بلاغي، بل هو ربط عضوي يقوم على وحدة السنن الإلهية في التعامل مع الطغاة والمستكبرين، فكما أن فرعون لجأ إلى قتل الأطفال وإضعاف بني إسرائيل ليبقى في ملكه، كذلك أمريكا و"إسرائيل" تمارسان اليوم نفس السياسة من إبادة جماعية وتجويع وحصار، ظناً منهما أن ذلك سيحفظ كيانهما ويطيل عمرهما، وكما أن فرعون استكبر في الأرض وظن أن جنوده ووزرائه سينقذونه من بأس الله، كذلك أمريكا اليوم تظن أن ترسانتها العسكرية وتحالفاتها الدولية ستحميها من عاقبة ظلمها وعدوانها، ولكن سنة الله ماضية: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

ختاما

إن ما نعيشه اليوم من صراع مع طغيان أمريكا و"إسرائيل"، هو امتداد طبيعي للصراع الأزلي بين الحق والباطل، بين الإيمان والطغيان، وإن النصر في هذه المعركة الوجودية مرهون بمدى تمسكنا بدروس الماضي، واستلهامنا لروح الصمود والتضحية التي جسدها أنبياء الله وأولياؤهم، إنه مرهون بعودتنا الصادقة إلى الله، والاعتصام بحبله المتين، والثقة بوعد الحق، والعمل الجاد على أرض الواقع وفق هديه المبارك والتسليم المطلق لأولياء الله الذين يأتي الخلاص على أيديهم، وقد أثبتت الأيام أن كل مسارات التنازل والتفاوض مع هذا العدو الغاشم هي سراب لا يزيد الأمة إلا وهناً وضعفاً،  وأن الأمل الوحيد، والطريق الوحيد للنجاة، هو في المواجهة الواعية المبنية على إيمان راسخ، ويقين ثابت بأن النصر حليف من اعتصم بالله، وسار على درب الأنبياء في الصبر والثبات حتى يتحقق وعد الله، وإن في قصة نبي الله موسى عليه السلام وفرعون لعبرة لكل من يتذكر، ودروساً لكل من يتعظ، وأسوة حسنة في أن العاقبة للمتقين، وأن الأرض يرثها عباده الصالحون، وما النصر إلا صبر ساعة، وما الفرج إلا مع الكرب، وما مع العسر إلا يسراً، فلتثق الأمة بنصر الله، ولتمض في طريق المواجهة بثبات ويقين، فإن وعد الله حق، وقول الله صدق، وهو نعم المولى ونعم النصير.