موقع أنصار الله . تقرير
في تطور نوعي وميداني لافت للعمليات العسكرية النوعية التي نفذها مجاهدو حزب الله على الجبهة اللبنانية الفلسطينية، شهد يوم السبت 07 مارس 2026 تصعيداً واسع النطاق وغير مسبوق في وتيرة العمليات العسكرية ونطاقها الجغرافي، جاء هذا التصعيد الحاسم كردّ طبيعي ومشروع على العدوان الإسرائيلي الآثم الذي استهدف المدنيين والبنية التحتية في العمق اللبناني، وصولاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، متجاوزاً كل الخطوط الحمراء وقواعد الاشتباك التقليدية.
كانت عمليات المقاومة الإسلامية والتي بلغت 33 عملية، يوم السبت ، بعيدة عن كونها رد فعل اعتيادي، وإنما تشكل منعطفاً استراتيجياً حمل في طياته رسائل بالغة الدلالة على أكثر من صعيد، فقد تنوعت العمليات بين الكمين المحكم والتكتيكي على الحدود، وبين الضربات المؤلمة والعميقة في قلب الكيان الصهيوني، لتؤكد المقاومة أنها تمتلك القدرة على الرد بذات القوة والنوعية، بل وبأدوات متطورة، تردع العدو وتُظهر هشاشة دفاعاته.
هذا التقرير يستعرض بالتحليل مجريات هذا اليوم الحافل، مفصلاً 33 بياناً عسكرياً، ليرسم صورة شاملة للمشهد الميداني، ويكشف عن الاستراتيجية التي انتهجتها المقاومة لتحقيق معادلة الردع وحماية لبنان.

شكّل العمق البري اللبناني، وتحديداً منطقة جبل عامل، مسرحاً لأهم حدث تكتيكي في اليوم، وهو التصدي لعملية إنزال جوي إسرائيلي معادية.
الكمين المحكم في جرود النبي شيت: في عملية استخباراتية وأمنية متقدمة، تمكنت المقاومة من رصد تحرك معادٍ منذ لحظاته الأولى. تسللت أربع مروحيات صهيونية من الاتجاه السوري وأنزلت قوة مشاة عند مثلث جرود يحفوفا، الخريبة ومعربون، بهدف التقدم باتجاه النبي شيت، هنا، أظهرت المقاومة يقظة عالية، حيث اشتبك المجاهدون مع القوة الصهيونية عند وصولها إلى المقبرة في الحيّ الشرقي، هذا الاشتباك المبكر أفشل عنصر المفاجأة الذي راهن عليه العدو.
إدارة معركة الانسحاب: بعد انكشاف القوة وتكبيدها خسائر مادية وبشرية، اضطر العدو للانسحاب تحت غطاء ناري كثيف من الطيران الحربي والمروحي، نفذ نحو أربعين غارة، هنا برزت براعة المقاومة في إدارة المعركة، حيث تدخل سلاح المدفعية بشكل مركّز لاستهداف محيط منطقة الاشتباك وممرات الانسحاب، محولاً إياها إلى كمائن نارية إضافية، في ذات الوقت فمشاركة أهالي القرى في الإسناد الناري تعكس حالة الالتحام الشعبي مع المقاومة، وتجعل من الأرض اللبنانية بيئة طاردة للعدو.
ملاحقة فلول العدو: لم يقتصر الرد على التصدي الأولي، بل امتد ليشمل استهداف منطقة الإخلاء في جرود النبي شيت بصليات صاروخية (البيان 3) بعد ساعات، ما يؤكد استمرارية الاستهداف وحرمان العدو من تأمين انسحاب آمن لقواته.
على صعيد موازٍ، وعلى طول الشريط الحدودي، نفذت المقاومة سلسلة من العمليات المركزة لاستهداف تحركات وتجمعات العدو:
استهداف نقاط التمركز والتقدم: تم رصد وتدمير تجمعات للعدو في نقاط حساسة مثل تلة الحمامص وخلّة العصافير (البيان 2)، بوابة فاطمة في كفركلا (البيان 10، 31)، خلّة المحافر في العديسة (البيان 32)، هضبة العجل (البيان 28، 33)، وبوابة هونين مقابل مركبا (البيان 18).
إفشال محاولات التوغل: تصدت المدفعية لمحاولات تقدم للعدو الإسرائيلي في مناطق "الخانوق" في عيترون (البيان 24)، ومن ثكنة "أفيفيم" باتجاه سهل مارون الرأس (البيان 26)، كما تم استهداف المحاولة الثانية باتجاه سهل مارون الرأس بصلية صواريخ (البيان 29)، وهذه العمليات رسمت خطاً أحمر أمام أي محاولة صهيونية للتقدم البري، وأكدت أن المقاومة مسيطرة ميدانياً على كامل الشريط الحدودي.
تجاوزت المقاومة الإسلامية في لبنان، الحدود التكتيكية لتضرب في عمق الكيان المحتل، مستهدفةً مراكز عسكرية وأمنية واقتصادية حيوية، في رسالة واضحة بأن لا مكان آمن للعدو.
شلل في القيادة والاستخبارات: تم توجيه ضربات موجعة لمراكز القرار والاستخبارات الإسرائيلية، وفي مقدمتها استهداف قاعدة "غليلوت" (مقر وحدة الاستخبارات العسكرية 8200) قرب "تل أبيب" (البيان 16) بطائرات انقضاضية، وهي الوحدة المسؤولة عن جمع الإشارات والتجسس، كما طالت الضربات مقر قيادة العدو لـ"المنطقة الشمالية "دادو" في صفد (البيان 11)، وقاعدة "تل هشومير" (مقر قيادة أركانية) (البيان 14)، وقاعدة "الرملة" (قيادة الجبهة الداخلية) (البيان 15)، وهذا الاستهداف المباشر لأدمغة "جيش" العدو الإسرائيلي يشل قدرته على التخطيط وإدارة المعركة.
استهداف العمق الاقتصادي والصناعي: لم يغب البعد الاقتصادي عن حسابات المقاومة، حيث تم استهداف "مصفاة حيفا" (البيان 4) و"شركة ألتا للصناعات العسكرية" شمال شرق حيفا (البيان 7) بطائرات انقضاضية، مما يعطل البنية التحتية الاقتصادية والعسكرية للعدو.
تعطيل منظومة الدفاع الجوي والبحرية: في ضربة نوعية، استهدفت المقاومة رادارات القبة الحديدية في قاعدة "كريات إيلعيزر" (البيان 20)، وهي قاعدة الدفاع الجوي الرئيسية في حيفا، مما يعمي عيون الدفاعات الجوية عن رؤية الصواريخ والمسيّرات القادمة، كما تم قصف قاعدة "ستيلا ماريس" الاستراتيجية للرقابة البحرية (البيان 21)، وقاعدة "حيفا البحرية" (البيان 22)، وقاعدة "تيفن" شرق عكا (البيان 9)، وقاعدة "عين زيتيم" (البيان 12)، مما يشل حركة العدو في المربع الشمالي براً وبحراً وجواً.
للمرة الأولى وبوضوح، ربطت المقاومة بين إطلاق النار وتحذير سكان المغتصبات الصهيونية، البيانات الصادرة عن المقاومة تحدثت عن "في إطار التحذير الذي وجّهته المقاومة" لمدينتي نهاريا (البيان 13، 19، 23، 30) وكريات شمونة (البيان 17، 27). هذا التكتيك الجديد:
· يحوّل "المستوطنات" إلى ثكنات عسكرية: بتحذيرها ثم استهدافها، تفرض المقاومة حالة إخلاء دائم أو شبه دائم على هذه المدن، مما يشل الحياة فيها ويشكل ضغطاً نفسياً هائلاً على المستوطنين الصهاينة و"حكومة" العدو.
· يخلط أوراق العدو: يضع "جيش" العدو الإسرائيلي أمام معضلة المتمثلة في كيفية حماية هذه المساحات الشاسعة من الصواريخ والمسيّرات، خاصة بعد استهداف رادارات "القبة الحديدية".

إن قراءة متأنية لعمليات يوم 7 مارس 2026 تكشف عن تبلور مرحلة جديدة في الصراع، تتمثل بالانتقال من قواعد الاشتباك التقليدية إلى معركة شاملة ومفتوحة، تحكمها إرادة المقاومة وقدراتها المتطورة، ويمكن استخلاص الدروس والعبر التالية:
1- وحدة الساحات وتكامل الأدوار: أظهرت العمليات تكاملاً رائعاً بين الدور الاستخباراتي (رصد الإنزال)، والدور الميداني (الاشتباك)، والدور الإسنادي (المدفعية والصواريخ)، وصولاً إلى الضربات الاستراتيجية في العمق، وهذه وحدة ميدانية بامتياز.
2- توسع بنك الأهداف: لم تعد الأهداف محصورة بالموقع الحدودي، بل شملت مراكز القوى الناعمة والصلبة للعدو: الاستخبارات (غليلوت)، الاقتصاد (مصفاة حيفا)، الدفاع الجوي (كريات إيلعيزر)، والقيادة العسكرية (دادو وتل هشومير).
3- فشل نظرية الردع الإسرائيلية: تمكنت المقاومة من ضرب أهداف على بعد 135 كم (قاعدة الرملة) بينما كانت تخوض اشتباكاً متقدماً على الحدود مع فلسطين المحتلة، وهذا يؤكد فشل مفهوم "حرب المباني" الإسرائيلي، ويثبت أن المعادلة الجديدة هي "إن هددتم عمقنا، فأمن عمقكم في مهب الريح".
إن ما جرى هو أكثر من مجرد رد على عدوان؛ هو إعادة رسم لقواعد اللعبة، وإعلان أن لبنان المقاومة، بجيشه وشعبه ومقاومته، عصي على الانكسار، وقادر على حماية سيادته وكرامته، وجاهز لردع العدو وجبروته، وبما يمكن القول معه أن المقاومة الإسلامية في لبنان أثبتت أن دماء الشهداء لن تذهب هدراً، وأن لبنان سيبقى سيداً حراً أبيّاً.