في صميم المشهد العسكري الراهن على الجبهة اللبنانية، ثمة حالة من التردّد الاستراتيجي الإسرائيلي الذي يتجاوز كونه حسابات تكتيكية عابرة، ليغدو تعبيرًا عن أزمة ثقة عميقة في القدرة على تحقيق أهداف سياسية عبر الأدوات العسكرية التقليدية.

هذا التردّد ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمي لصدمات سابقة، أبرزها حرب تموز 2006 التي كسرت أُسطورة الجيش الذي لا يقهر، وأثبتت أن المواجهة مع حرب عصابات منظمة ومنتمية تختلف جوهريًّا عن الحروب النظامية ضد جيوش تقليدية.

اليوم، يحاول الإسرائيليون ابتكار أُسلُـوب قتالي هجين يسمح لهم بقضم تدريجي للأراضي دون التعرض لخسائر فادحة قد لا تحتملها تركيبتهم المجتمعية الهشة، عبر توغلات محدودة تحت غطاء ناري كثيف، لكن دون ذلك عوائق استراتيجية تعكس سوء تقدير عميق لطبيعة العدوّ ولوجستيات المعركة.

العائق الأول والأعقد يكمن في الموانع التي أقامتها المقاومة، والتي لا تقتصر على حقول ألغام أَو خنادق دفاعية تقليدية، بل تمتد لتشمل نسيجًا معقدًا من التموضعات الدفاعية المرنة التي تستحيل معها قراءة ساحة المعركة وفق المعايير العسكرية الكلاسيكية.

المقاومة التي أعلنت أنها أعادت ترميم قدراتها بالكامل، لم تكتف باستعادة مخزونها الصاروخي، بل أعادت هيكلة تكتيكاتها الميدانية بما يتناسب مع سيناريوهات حرب الاستنزاف الطويلة، معتمدة على شبكات أنفاق محصنة تربط القرى الحدودية بخطوط إمدَاد خلفية، ونقاط تمركز قناصة متحَرّكة، ووحدات رصد ومناورة سريعة قادرة على تنفيذ ضربات مباغتة ثم الاختفاء.

هذا التشكيل الدفاعي هو أصعب ما يمكن أن يواجهه أي جيش نظامي في التاريخ العسكري الحديث، لأنه يحول كُـلّ تقدم إلى مخاض دموي، ويجعل من الاحتكاك المباشر مع المقاتلين المحليين الذين يعرفون تفاصيل الأرض حجر زاوية في المعركة.

وهنا تكمن ضرورة التمييز بين الخطاب الإسرائيلي الرسمي الذي يتحدث عن "قضم مزيد من الأراضي" كإنجاز سياسي يمكن تسويقه داخليًّا، وبين ما تسربه الأوساط العسكرية والأمنية من سيناريوهات طموحة حول اجتياح واسع يطال كامل منطقة جنوب الليطاني.

وهذا التناقض الصارخ يكشف عن فجوة عميقة بين الحلم الإسرائيلي بإعادة ترتيب الحدود الشمالية، والواقع المرير المتمثل في استحالة تحقيق ذلك دون ثمن باهظ.

فالإسرائيليون الذين يعانون من أزمة ثقة داخلية بعد السابع من أُكتوبر، يدركون أن أية مغامرة برية واسعة قد تتحول إلى مستنقع استنزافي طويل الأمد، خُصُوصًا مع قدرة المقاومة على إشراك جبهات إسناد متعددة، وهو ما يفسر التركيز الحالي على الاغتيالات والضربات الجوية كبديل عن مغبة التوغل البري.

فشكل المعركة البرية الحالية لا يشبه بتاتًا معارك العام 2024 التي اعتمدت بشكل أَسَاسي على القوة الجوية والتدمير عن بعد، بل هو أقرب في تفاصيله إلى سيناريوهات حرب تموز 2006، حَيثُ كان الاحتكاك المباشر وحرب الأنفاق والكمائن المركبة هي سيدة الموقف.

وهي الحرب، التي تمكّنت فيها المقاومة من إيقاع الجيش الإسرائيلي في مستنقع الاستنزاف رغم التفوق التكنولوجي الساحق، واليوم يتكرّر المشهد ولكن بخبرة أكبر وإعداد أدق، حَيثُ يجد الضابط والجندي الإسرائيلي نفسه وجهًا لوجه مع مقاتلي المقاومة في قرى لم تكن في حسبان خطط الاجتياح السريع.

فصمود بلدة الخيام لأسابيع رغم محاولات التطويق والقصف الجوي المكثّـف، يثبت أن المقاومة لا تزال تمسك بزمام المبادرة، وقادرة على إفشال مخطّطات القضم مهما تعددت أشكالها، ومستعدة لتحويل كُـلّ شبر من جنوب الليطاني إلى مقبرة للمغامرات الجديدة.