لم تكن الأرقام التي كشف عنها المسؤولون الأمريكيون مؤخّرًا، والمتعلقة بإنفاق 12 مليار دولار في سياق العدوان والتحشيد ضد الجمهورية الإسلامية في إيران ومحور المقاومة، مُجَـرّد إحصاءات مالية عابرة، بل هي وثيقة إدانة صارخة تعكس حجم الخيبة التاريخية التي مني بها مشروع الاستكبار العالمي.

إنها تجسيدٌ عملي وسقوطٌ مدوٍّ لعنجهية "الدولار" أمام "قوة اليقين"، وإعلان صريح عن عجز الترسانة المالية والعسكرية أمام إرادَة الشعوب التي استمدت من هدي القرآن الكريم زادها ومنهجها في مواجهة الطواغيت.

وعندما نتأمل هذا الرقم المهول، نجد أنفسنا أمام مصداقٍ جليّ للوعيد الإلهي في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أموالهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ".

فهذه المليارات التي ضُخّت في غرف العمليات السوداء، وفي تمويل الفتن، وتحريك الأساطيل، وتشديد الحصار الاقتصادي، لم تزد محور المقاومة إلا ثباتًا وتجذرًا.

لقد أرادت واشنطن من خلال هذا الإنفاق الانتحاري أن تشتري "أمنًا" لكيان العدوّ الصهيوني، وأن تفرض واقعًا سياسيًّا يخدم أجندتها الاستعمارية، لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا؛ فإيران اليوم أقوى، ومحور القدس أكثر تلاحمًا، واليمن وفلسطين ولبنان والعراق يشكلون جبهة واحدة كبّدت المحتلّ خسائر استراتيجية لم تكن تخطر له على بال.

التحليل العميق لهذا الإنفاق يكشف عن حالة من "التخبط الاستراتيجي" الذي تعيشه الإدارة الأمريكية؛ فهي تضخ الأموال في "قربة مقطوعة" لا يملؤها إلا السراب.

فبينما يعاني الداخل الأمريكي من أزمات اقتصادية طاحنة، يصرّ صقور البيت الأبيض على حرق ثروات شعبهم في محرقة العداء لثقافة المقاومة.

إن الـ 12 مليار دولار لم تكن ثمنًا لانتصارات ميدانية، بل كانت ثمنًا لـ "شراء الوقت" الضائع في محاولة يائسة لترميم الهيبة التي دُعست تحت أقدام المجاهدين في كُـلّ ميادين المواجهة.

إن هذه "الحسرة" التي يتحدث عنها القرآن الكريم تتجلى اليوم في اعترافات قادة البنتاغون، الذين يدركون قبل غيرهم أن تكنولوجيا السلاح ووفرة المال لم تستطع كسر معادلة "هيهات منا الذلة".

لقد تحولت تلك الأموال إلى عبءٍ أخلاقي وسياسي وعسكري على كاهل واشنطن، وأثبتت التجربة أن منطق "الرأسمالية المتوحشة" يسقط دائمًا حين يصطدم بصخرة "الصمود الإيماني".

إننا أمام مرحلة جديدة من الصراع، يتضح فيها أن الغلبة ليست لمن يملك الخزائن الأكبر، بل لمن يملك الحق الأبلج والقضية العادلة والارتباط الوثيق بالله سبحانه وتعالى، والوعد الإلهي بالنصر للمستضعفين بات اليوم قاب قوسين أَو أدنى من التحقّق الكامل، وما المليارات الأمريكية إلا وقودٌ لنار الهزيمة التي ستحرق أوهام الاستكبار وتطهّر المنطقة من دنس التبعية.