موقع أنصار الله - متابعات – 4 ذو القعدة 1447هـ

أكدت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" ، اليوم الثلاثاء ، أن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ، لا يمكن عزله عن السياق العام الذي تشهده الأرض الفلسطينية المحتلة، وخاصة منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث دخلت سياسات العدو الإسرائيلي مرحلة أكثر عنفًا وتنظيمًا في استهداف الإنسان الفلسطيني في جسده ووجوده وحقوقه الأساسية، بما في ذلك الأسرى والمعتقلون داخل السجون ومراكز التوقيف.

واعتبرت في ورقة تحليلية أعدّها رئيس الهيئة د. صلاح عبد العاطي، بعنوان: "قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: عندما يتحول القانون إلى أداة قتل… وتتصدّع منظومة العدالة الدولية"، أن "القانون يعكس انتقالًا نوعيًا في طبيعة الصراع، إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على إدارة منظومة قمع واحتجاز، بل بات يتصل بإعادة تعريف موقع الأسير الفلسطيني داخل المنظومة القانونية الإسرائيلية باعتباره هدفًا مشروعًا للتصفية".

وأشارت الورقة إلى أن الوقائع المرتبطة بالحركة الأسيرة حتى أبريل 2026 تكشف بوضوح عمق هذا التحول، إذ يقبع في سجون العدو أكثر من 9600 أسير فلسطيني، بينهم 86 أسيرة، ونحو 350 طفلًا، وأكثر من 3532 معتقلًا إداريًا دون تهمة أو محاكمة.

وبيّنت أن هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن اتساع سياسة الاعتقال، بل تكشف عن بنية قمعية متكاملة تتجاوز الاحتجاز التقليدي إلى استخدام أدوات منهجية للإخضاع والتنكيل.

ولفتت الورقة إلى أن "منظومة السجون الإسرائيلية لم تعد تكتفي بحرمان الأسرى من الحرية، بل تمارس أنماطًا متعددة من “الإعدام البطيء” من خلال التعذيب، والتجويع، والإهمال الطبي، والعزل المطول، في ظل تصاعد خطير في أعداد شهداء الحركة الأسيرة".

وذكرت أن عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 بلغ 326 شهيدًا، من بينهم 112 أسيرًا منذ أكتوبر 2023 وحده، فيما تواصل سلطات العدو احتجاز جثامين 97 أسيرًا، في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني والمعايير الأساسية للكرامة الإنسانية.

وفي الإطار القانوني، شددت الورقة على أن القانون يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، لتعارضه المباشر مع الحق في الحياة بوصفه حقًا غير قابل للتقييد، وخرقه الواضح لاتفاقيات جنيف، وخاصة المادة الثالثة المشتركة التي تحظر إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون محاكمة عادلة تتوافر فيها الضمانات القضائية الأساسية.

وأكدت أن أي تنفيذ لعقوبة الإعدام في هذا السياق لا يمكن اعتباره إلا إعدامًا تعسفيًا يرقى إلى جريمة حرب، بل وإلى جريمة ضد الإنسانية إذا جرى في إطار سياسة ممنهجة ومستمرة.

كما تناولت الورقة الطابع التمييزي للقانون، موضحة أنه يستهدف الفلسطينيين دون غيرهم، الأمر الذي يجعله جزءًا من منظومة قانونية وسياسية أوسع تقوم على التمييز المؤسسي والعنف القائم على الهوية القومية. واعتبرت أن هذا البعد التمييزي يضع القانون في سياق نظام فصل عنصري يستخدم التشريع لتكريس الإقصاء وإضفاء الشرعية على العقاب الجماعي والتصفية القانونية.

وعلى الصعيد السياسي، أوضحت الورقة أن القانون يعكس تحولات عميقة في بنية التفكير الاستراتيجي لسلطات العدو، من منطق “السيطرة” إلى منطق “الردع الوجودي”، بحيث يُراد للأسير الفلسطيني أن يتحول من شخص محروم من الحرية إلى أداة ردع موجهة للمجتمع الفلسطيني بأسره.

واعتبرت أن إقرار القانون لا يمثل خطرًا على الفلسطينيين وحدهم، بل يشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنظومة القانونية الدولية على فرض حدود على القوة، ومنع انزلاق القانون إلى مجرد أداة بيد الطرف الأقوى.

ورأت “حشد” أن مغزى هذا القانون يتجاوز آثاره المباشرة، إذ يعكس أربعة تحولات كبرى: أولها تقنين الإبادة، سواء بصيغتها البطيئة أو المباشرة، وثانيها تفكيك منظومة الحماية القانونية للأسرى، وثالثها إعادة هندسة العلاقة مع الشعب الفلسطيني على أساس الإخضاع الكامل، ورابعها تقويض أسس النظام القانوني الدولي ذاته.

وبيّنت أن "تطبيق هذا القانون من شأنه أن يفتح الباب أمام الإعدامات الجماعية، وتصاعد الجرائم الإسرائيلية، وتفاقم المقاومة الشعبية، وانهيار الثقة في أي مسار سياسي، وترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب".

وفي هذا السياق، دعت الورقة إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة تقوم على تدويل الصراع باعتباره خيارًا استراتيجيًا لا تكتيكيًا، وأن تنطلق هذه الاستراتيجية من مركزية الحقوق بعيدًا عن المساومات السياسية، مع تفعيل جميع مسارات المحاسبة الدولية، بدءًا من المحكمة الجنائية الدولية، ومرورًا بمحكمة العدل الدولية، ووصولًا إلى تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية في الدول التي تسمح تشريعاتها بذلك.

وفي ختام الورقة، أكدت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد” أن المعركة ضد “قانون إعدام الأسرى” ليست مجرد معركة دفاع عن حقوق فئة من الأسرى، بل هي معركة أوسع تتصل بمستقبل القانون الدولي ذاته، وبقدرة المجتمع الدولي على وقف هذا الانحدار الخطير.

كما شددت على أن الصمت الدولي إزاء هذا القانون لا يمكن اعتباره موقفًا محايدًا، بل يمثل في جوهره شكلًا من أشكال التواطؤ، وأن الحرية للأسرى ليست شعارًا سياسيًا، بل استحقاق قانوني وإنساني، وأن رفض هذا القانون هو دفاع عن العدالة نفسها قبل أن تصبح ضحية جديدة.