في محراب الوعي الأصيل، وحيث تتمايزُ الصفوفُ تحت وطأة الأحداث العاصفة وخضم المتغيرات الراهنة، لا يقف المؤمن حيال ما يجري العالم والمنطقة على أنها وقائعُ عابرة أَو أخبار تُستقى لمُجَـرّد الفضول المعرفي؛ فالتناوُلُ السطحي لهذه المجريات بطابعٍ استهلاكي يُعدُّ منزلقًا خطيرًا يفضي بالضرورة إلى ترسيخ الإدراك الخاطئ والمغلوط، ما يشتت الناس نحو رؤى ومواقفَ مغايرة وتابعة لأجندات وسائل الإعلام الصهيونية والمتصهينة الموجهة.
التيه الفكري هو مسارٌ يؤدي إلى فساد النفوس وانسلاخ في الهُوية والتحول التدريجي إلى صف الأعداء من حَيثُ لا يشعر المرء، لكن الروحية الصحيحة والموقف الحق يكمن في الوعي والإدراك بروح من يفهم بعمق أنَّه طرفٌ مستهدف ومسؤول أمام الله؛ ما يستوجب الخروج برؤيةٍ وموقفٍ ووعي واحد، بعيدًا عن مسارات الرضوخ أَو الحياد التي تنظر إلى الأحداث وكأنَّها شأنٌ خارجي، بينما الحقيقة تثبت أن كُـلّ ما يدور يمس صميم حياتنا ومستقبلنا وكرامتنا.
الاستهداف الشامل للإسلام والمسلمين، الذي تقود رحاه أمريكا وكيان العدوّ الإسرائيلي، هو نتاج تحَرّك يهودي صهيوني خبيث ممتد عبر عشرات السنين، برعوا خلالها في فنون التضليل والتحوير والتحَرّك الناعم والصامت لضرب نفسية أبناء الأُمَّــة من الداخل.
وفي الوقت الذي كانت فيه المؤامرات الصهيونية تُحاك منذ قرنٍ واحتلال فلسطين ينهشُ جسدَ الأُمَّــة أكثر من 7 عقود، لا يزال الكثيرون من أبناء جلدتنا في حالةٍ من الغفلة، وكأن هذه الأحداث طارئة، ولا تعنيهم في شيء، وهذا التغافل هو الثمرة المرّة لعدم الامتثال للتحذير القرآني الصريح: {لا تتخذوا}.
إدراك حقيقة الصراع يفرض علينا كشف الحقائق النفسية التي تعترينا؛ فعندما يرتجف الوجدان خوفًا من سلطةٍ أَو دولة لمُجَـرّد إظهار العداء لليهود أَو إطلاق الصرخة في وجه المستكبرين؛ فإن هذا الخوف شهادةٌ قاطعةٌ سنجدها في قرارة أنفسنا بأن تلك الجهة قد استحالت أدَاة لحماية مصالح الأعداء، وصارت من أوليائهم، وهُنا يتجسد المرض القلبي الذي ذكرهُ الله: {يُسارِعونَ فيهِم}.
وكسر هذا الحاجز النفسي على المستوى الفردي يتطلب زراعة بذور الحرية والسخط المقدس ضدَّ أعداء الله كُـلّ من يواليهم، من خلال إطلاق شعار الصرخة وتجسيدها سلوكًا وممارسة، وتحويل الوعي القرآني إلى موقفٍ عملي يرفض الترهيب والاستكانة؛ فنحن نعيش زمن الغربلة الكبرى، حَيثُ لا منطقة فاصلة، وإنّما صفّان لا ثالث لهما؛ "مؤمنون صريحون ومنافقون صريحون"، والأحداث كفيلة بفرز المواقف وكشف الحقائق.
في المشروع القرآني العظيم نعتبر الموقف في سياق الولاء والبراء ميثاق الفطرة، والصرخة في وجه المستكبرين عهد الله ضد أعدائه من أئمة الكفر؛ فإمّا تحَرّك يصون الهُوية ويبرئ الذمة، وإمّا انتظار لخزي الدنيا وعذاب الآخرة في سننٍ إلهيةٍ لا تحيد ولا تتبدل.
لهذا؛ نحن اليوم محاصرون بين حالتين تفرضان علينا الموقفَ الصادق؛ إمّا الاستسلام للوضعية المُهينة والعيش تحت سياط الذل والاستباحة الصهيونية الأمريكية، وإمّا النهوضُ بالمسؤولية الدينية التي يفرضها الله سبحانه وتعالى علينا، يقينًا بأنَّ وعده الحق المتمثل بالنصر والتمكين والاستخلاف.