موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي
لا شك بأن ما ظهرت عليه الولايات المتحدة في جولات المفاوضات السابقة خلال السنوات العشر الماضية مع الجمهورية الإسلامية، يجعل من جولة سويسرا، مشوبة بحالة انعدام الثقة المستدامة، في ظل مخاوف من عودة التوتر إلى ذروته.
السلوك المعتاد لأمريكا والكيان الإسرائيلي ظل دائما مقوضا لأي جهود سلام، وظلت آلية تحقيق السلام في منهجيتهما، إبرام الاتفاق سواء كان بمستوى مذكرة أو اتفاق ثم خرقه مباشرة، باستغلال وقح لحسن النوايا الإيرانية وروح الالتزام.
واليوم نعيش نموذجا صارخا لهذه العبثية الأمريكية الإسرائيلية، إذ لم يجف حبر مذكرة التفاهم الموقعة من قبل طهران وواشنطن والتي نصّ بندها الأول على وقف إطلاق النار وإنهاء الأعمال العسكرية على مختلف الجبهات بما فيها لبنان، حتى بدأت الخروقات تتوالى بصورة عكست الاستخفاف الأمريكي، وعدم احترامه للالتزامات.
وبدلاً من أن تشكل المذكرة نقطة انطلاق نحو التهدئة واحتواء التوترات المتصاعدة في المنطقة، سارع العدو الإسرائيلي إلى تنفيذ هجمات دموية استهدفت مناطق في جنوب لبنان، مخلفةً أكثر من مائة شهيد ومثلهم جرحى، وأضراراً واسعة، في سلوك يعتبر انتهاكاً مباشراً وصريحاً لروح الاتفاق ونصوصه، وشاهدا على عدم رغبة الطرف المعتدي على أن يكون هناك تهدئة في المنطقة.
الخروقات المبكرة لمذكرة التفاهم لم تقتصر على الجانب الميداني فحسب، بل امتدت إلى المجال السياسي والدبلوماسي أيضاً. ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه إلى المفاوضات المنعقدة في سويسرا باعتبارها فرصة للحلول السياسية، جاءت تصريحات المعتوه الأمريكي ترامب وتهديداته لتفرض ظلالا ثقيلة على أجواء المباحثات، وهو الذي يمثل خروجاً واضحا عن النص المتفق عليه.
سلوك ترامب الساذج، باللجوء إلى التهديد لإعطاء الداخل الأمريكي تصوُّر وهمي بأن الأمور تحت سيطرة البيت الأبيض، أعطى نتائج عكسية تماما، إذ انعكس سلباً على مسار المحادثات وأدى إلى تعقيد المشهد التفاوضي، بانسحاب الوفد الإيراني. وجاء إعلان الانسحاب ليؤكد، ثبات سيطرة طهران على إدارة تفاصيل الميدان وماراثون الدبلوماسية، وأن الذهاب إلى طاولة النقاش انطلق من قوة، وما جاء من ضعف.
تزامُن الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان مع الضغوط والتهديدات السياسية الأمريكية يلفت الانتباه بقوة إلى جدية المارق الأمريكي من عدمها، حول مدى التزامه بمذكرة التفاهم وأهدافها المعلنة، وهذه الممارسات لا توفر المناخ لتثبيت وقف إطلاق النار وبناء الثقة بين الأطراف، بقدر ما تقّوض من فرص نجاح الاتفاق وتضعف الثقة بأي ضمانات دولية افتراضية.
ويرى المراقبون أن ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد حوادث منفصلة، وإنما يمثّل نمطاً متكاملاً من الخروقات السياسية والعسكرية التي تهدد بنسف التفاهمات القائمة وإعادة المنطقة إلى دائرة المواجهة والتوتر، في وقت تبدو فيه الحاجة أكثر إلحاحاً إلى احترام الالتزامات الدولية وتغليب لغة الحوار على منطق القوة والتهديد.
وبقراءة مسار المفاوضات الإيرانية الأمريكية، وما كان يُبنى عليها من إجراءات عدوانية تجاه طهران، اتفق كثير من المحللين على أن النوايا لم تكن تتجه نحو التوصل إلى اتفاق بقدر ما كانت تعكس رغبة جامحة في التخلص من النظام الإسلامي في إيران، الذي ترى فيه الولايات المتحدة خطراً على كيانها "الإسرائيلي" المحتل للأراضي الفلسطينية؛ ولذلك كانت هذه الجولات تشهد باستمرار محاولات أمريكية لتعقيد المسار التفاوضي، في الوقت الذي كانت فيه طهران تقدم ما تراه من تنازلات ممكنة تؤكد للعالم من خلالها أن لا نوايا لديها لصناعة سلاح نووي، وفي ملف تخصيب اليورانيوم أبدت استعداداً لخفض مستويات التخصيب.
جولات طويلة من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة أفضت إلى نتائج لم تكن، وفق معطياتها، تفترض الوصول إلى نقاط وسط بين الطرفين، وإنما الانصياع للرغبات الأمريكية، وهو الهدف الذي كانت واشنطن تفاوض من أجله؛ ولهذا جاءت النتائج في كثير من الأحيان لتزيد من تأزيم الموقف بدلاً من حلحلة العقد القائمة.
وكان وقوف الكيان الإسرائيلي وسط الطاولة دائماً أحد أبرز العوائق أمام التوصل إلى أي اتفاق، إذ ظلت رغبة كيان العدو، وما تزال، تدفع بأمريكا نحو إيجاد نظام موالٍ له في إيران. ولذلك فإن أي اتفاق لا يصب في مصلحته، ظل العدو الإسرائيلي ينظر إليه باعتباره عاملاً يعزز من قوة التوجه الإيراني الرافض للسياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، فضلاً عن رفض معادلة الاستباحة التي تمارسها الولايات المتحدة و"إسرائيل" في المنطقة.
مثّل الاتفاق النووي لعام 2015 أبرز الشواهد على النهج الأمريكي القائم على فرض موازين القوة وتحقيق الأهداف عبر الضغوط، فقد نظر إليه كثيرون باعتباره نموذجاً لإمكانية حل النزاعات المعقدة عبر التفاوض بدلاً من المواجهة العسكرية، ونقطة تحول مهمة في تاريخ العلاقات الإيرانية الغربية بعد سنوات من العقوبات والضغوط والتوترات الأمنية.
وجاء الاتفاق بعد مفاوضات استمرت سنوات بين إيران ومجموعة (5+1)، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، ما جعل التوصل إليه يُنظر إليه آنذاك باعتباره إنجازاً دبلوماسياً دولياً كبيراً.
وبموجب هذا الاتفاق وافقت طهران على فرض قيود واسعة على برنامجها النووي، شملت خفض مستويات التخصيب وتقليص المخزون النووي والسماح بعمليات تفتيش ومراقبة واسعة النطاق من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي المقابل كان من المفترض أن تحصل إيران على مكاسب اقتصادية تتمثل في رفع العقوبات وعودة اندماجها في النظام المالي والتجاري العالمي.
إلا أن النكث الأمريكي كان يقف للاتفاق بالمرصاد، فقبل أن تجني طهران المصالح المتفق عليها بصورة كاملة، كان الصراع يعصف بالمؤسسة السياسية الأمريكية بين مؤيد ورافض للاتفاق، فيما يرى كثيرون أن الحركة الصهيونية كانت تقف خلف هذا التعارض.
وبمجيء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، بدأ التأزيم يأخذ منحى أكثر خطورة، إذ لم تُخفِ إدارته اعتبار الاتفاق خطأً استراتيجياً يجب تصحيحه، ولم تكتفِ بانتقاده والتعامل معه على هذا الأساس، بل عملت على تقويضه سياسياً وإعلامياً إلى أن أعلنت رسمياً الانسحاب منه في مايو 2018.
شكّل ذلك الحدث صدمة للمجتمع الدولي، بما في ذلك الدول الأوروبية المشاركة في الاتفاق والوسطاء الدوليون الذين اعتبروا الاتفاق إنجازاً مهماً، ففي تلك المرحلة كانت إيران قد التزمت بالقيود الأساسية المفروضة عليها وفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومع ذلك وجدت نفسها أمام عودة العقوبات الأمريكية بصورة أشد من السابق، وهو ما مثّل أحد أبرز الشواهد على الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع القضايا الخارجية، خصوصاً تلك التي ترتبط بمصالحها ومصالح الكيان الإسرائيلي.
كما بدأت تتشكل لدى صنّاع القرار الإيرانيين قناعة بأن المشكلة لا تكمن فقط في تفاصيل الاتفاقات، بل في مدى التزام الولايات المتحدة نفسها بأي تعهدات تقدمها خلال المفاوضات، فكيف يمكن الوثوق بنظام لا يحترم التزاماته، فيوقع على اتفاق وقعت عليه إدارة ثم ألغته إدارة لاحقة بصورة أحادية بعد سنوات قليلة؟.
وفي تلك المرحلة أطلقت إدارة ترامب ما عُرف بسياسة «الضغط الأقصى»، وهي استراتيجية هدفت إلى إخضاع إيران اقتصادياً وسياسياً عبر عقوبات غير مسبوقة استهدفت قطاعات النفط والطاقة والبنوك والشحن والتجارة الخارجية، وكانت الرسالة الأمريكية المعلنة هي دفع إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة وأكثر تشدداً.
وهنا خلصت الجمهورية الإسلامية إلى القناعة بأن هذا التغيير المفاجئ لا يمكن تفسيره بمجرد انتقال السلطة من إدارة إلى أخرى، بل إنه يعكس طريقة تعامل واشنطن مع المفاوضات، باعتبارها أداة ضغط أكثر من كونها وسيلة للوصول إلى تسويات مستقرة ودائمة، ولهذا السبب بدأت الثقة، التي كانت محدودة أصلاً، تتآكل بصورة شبه كاملة.
في مفاوضات لاحقة كان من الطبيعي أن تتشدد إيران في إبراز حاجتها إلى ضمانات تحول دون تكرار تجربة الانسحاب الأمريكي إلا أن الإدارات الأمريكية بدت عاجزة عن تقديم مثل هذه الضمانات، فكان أحد أهم أسباب التشكيك في فرص نجاح أي جولة تفاوضية جديدة هو التجربة العملية التي عاشتها إيران خلال المفاوضات السابقة.
في كل مرة كانت المباحثات تقترب فيها من تحقيق اختراق سياسي، كانت تظهر تعقيدات أمريكية جديدة يعقبها فرض عقوبات إضافية أو طرح شروط جديدة تعيد الأزمة إلى مربع الصفر، ما رسّخ الانطباع بأن واشنطن لا تدخل المفاوضات دائماً بهدف الوصول إلى اتفاق نهائي، بقدر استخدامها لإدارة الأزمة أو زيادة الضغوط أو كسب الوقت.
ولهذا السبب فإن الجولة الحالية من المفاوضات في سويسرا لا تنطلق من أرضية ثقة متبادلة، بل من إرث ثقيل من الشكوك والتجارب السلبية. فإيران تنظر إلى التجارب السابقة باعتبارها دليلاً على أن التنازلات لا تؤدي بالضرورة إلى رفع الضغوط، وأن الالتزام بالاتفاقات لا يضمن استمرارها. أما الولايات المتحدة فما زالت تنظر إلى إيران باعتبارها خصماً استراتيجياً يجب الحد من نفوذه الإقليمي وبرامجه العسكرية.
وتزداد هذه الشكوك في ظل التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، حيث يرى كثير من المراقبين أن التصعيد العسكري والتهديدات غالباً ما كانت تتزامن مع فترات التفاوض، الأمر الذي أضعف فرص بناء الثقة وأعطى انطباعاً بأن أدوات الضغط تُستخدم بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.
يرى محللون أن جوهر الأزمة اليوم لا يتمثل فقط في عدد أجهزة الطرد المركزي أو نسبة تخصيب اليورانيوم أو حجم المخزون النووي، بل في سؤال أعمق يتعلق بالثقة السياسية. فإيران تريد ضمانات حقيقية بأن أي اتفاق جديد لن يتحول إلى ورقة مؤقتة يمكن تمزيقها بتغيّر الإدارة الأمريكية، بينما تريد الولايات المتحدة اتفاقاً أوسع يتجاوز الملف النووي إلى ملفات أخرى تتعلق بالنفوذ الإقليمي والقدرات العسكرية الإيرانية.
هنا يؤكد المحللون أن الجمهورية الإسلامية تستند في مطالبها بحقوق سيادية، بينما تمارس أمريكا سياسة فرض الهيمنة دون اعتبار للقوانين الدولية التي تضمن للدول حقها في اتخاذ أي إجراءات تضمن أمنها ومصالحها الوطنية طالما لا تتجاوز حق الآخرين، وما لم تنصاع الولايات المتحدة إلى هذه الثوابت والمبادي وتتوقف عن تدخلاتها ومحاولة فرض إرادتها، فإن نجاح أي اتفاق مستقبلي لن يتوقف على الجوانب الفنية وحدها.
لهذا لا يُنظر إلى قدرة هذه الجولة على تجاوز أسباب إشعال العنف من جديد بتفاؤل كبير، وإن كان الأمل قائماً في إنهاء هذا الوضع عبر التوصل إلى تفاهمات أكثر رسوخاً تضمن استقرار الالتزامات. مع ثبات القناعة لدى الكثير بأن المشكلة الأساسية ليست بصياغة بنود الاتفاقات أو آليات الرقابة والتنفيذ، بقدر ما تتعلق بغياب الضمانات الكفيلة بحماية أي اتفاق من الانهيار عند أول اختبار سياسي.
أدركت الجمهورية الإسلامية أنه من دون معالجة معضلة الضمانات ستظل جولات التفاوض عرضة للتعثر مهما بلغت درجة التقدم الفني فيها، وستبقى احتمالات العودة إلى التوتر والتصعيد قائمة، الأمر الذي دفعها لامتلاك الضمانات بعيدا عن المراهنة على المجتمع الدولي الذي لم يكن يوما في مستوى الثقة بالقيام بهذا الدور.
وفي مقاربة مختلفة عن الاتفاقات السابقة التي غالباً ما كانت تصطدم بهذه الإشكالية وآليات التنفيذ، عملت إيران في جولة سويسرا الحالية على بناء صيغة تقوم على مبدأ "خطوة مقابل خطوة"، بحيث لا يتم الانتقال إلى أي بند جديد قبل تنفيذ الالتزامات الواردة في البند السابق بشكل كامل وملموس.
وفق هذا التصور، لم تُبدِ طهران استعداداً للخوض في الملفات اللاحقة أو مناقشة النقاط الأكثر تعقيداً قبل التحقق من تنفيذ البند الأول المتعلق بتوقف الأعمال "الإسرائيلية" العدوانية ضد لبنان. ويعكس هذا النهج قناعة إيرانية متزايدة بأن النصوص والوعود السياسية وحدها لا تكفي لضمان الالتزام، وأن التجارب السابقة قد أظهرت إمكانية التراجع عن التعهدات أو تفسيرها بطرق مختلفة بعد توقيع الاتفاقات؛ لهذا فضّلت اعتماد آلية تنفيذ متدرجة تجعل كل مرحلة مرتبطة بنتائج المرحلة التي تسبقها، بما يحد من احتمالات الالتفاف على الاتفاق أو تأجيل تطبيق بنوده الأساسية.
كشفت إيران عن هذه المنهجية بصورة واضحة، مؤكدة بالتزامن، الجهوزية لأي سيناريوا يمكن ان تفرضه النزعات العدوانية الأمريكية الإسرائيلية، وهو ما يعكس أنها، قد حرصت على الاحتفاظ بعناصر قوة ذاتية قادرة على التأثير في مسار الأحداث إذا تعرض الاتفاق للانهيار أو الإخلال.
وفي هذا السياق يبرز مضيق هرمز باعتباره أحد أهم أوراق القوة الاستراتيجية التي تملكها الجمهورية الإسلامية، نظراً لموقعه الحيوي وتأثيره المباشر على حركة الطاقة والتجارة العالمية. ووفق هذه الرؤية، فإن قيمة الضمان لا تكمن فقط في التوقيع على الوثائق أو إصدار البيانات الدولية، بل في امتلاك أدوات ردع حقيقية الأمر الذي يمنح طهران هامشاً أوسع للدفاع عن مصالحها وحماية التفاهمات التي تدخل فيها.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الاستراتيجية الإيرانية قامت على مبدأ الجمع بين المسار الدبلوماسي وعوامل القوة الميدانية، دون الارتهان الكامل للضمانات التي يوفرها المجتمع الدولي أو الأمم المتحدة، فبينما ظلت القنوات السياسية والتفاوضية مفتوحة، احتفظت طهران بأوراق ضغط تعتبرها ضرورية لضمان تنفيذ الالتزامات المتبادلة ومنع تكرار تجارب سابقة شهدت انهيار اتفاقات أو تعطيل بنودها الأساسية.