موقع أنصار الله . دراسة . إعداد : أنس القاضي 

 

الحلقة الأولى: اليمن الذي كان يشتري كل شيء

مقدمة

عندما تُذكر التجارة الخارجية غالباً ينصرف الاهتمام إلى الموانئ والسفن وحركة الاستيراد والتصدير، لكن هذه المؤشرات تكشف في الواقع جانباً أعمق يتعلق بطبيعة الاقتصاد نفسه؛ فطريقة ارتباط أي بلد بالسوق العالمية لا تحدد فقط ما يشتريه وما يبيعه، بل تكشف أيضاً أين يُنتج غذاءه وسلعه، وأين تتولد فرص العمل، وأين يتراكم رأس المال والخبرة التقنية.

خلال العقود الماضية اتجه الاقتصاد اليمني بصورة متزايدة نحو الاعتماد على الواردات لتلبية احتياجاته الغذائية والاستهلاكية والإنتاجية، وأصبحت الأسواق اليمنية تستقبل مئات السلع القادمة من الخارج، بدءاً من القمح والأرز والسكر والحليب والدواجن، وصولاً إلى الملابس والأدوية والسيارات والآلات والمواد الخام الصناعية، وفي المقابل ظل هيكل الصادرات محدوداً ومعتمداً بصورة رئيسية على النفط والغاز وبعض المنتجات الزراعية والسمكية.

لا تتناول هذه السلسلة التجارة الخارجية بوصفها نشاطاً تجارياً مجرداً، بل بوصفها أحد المفاتيح لفهم مسار الاقتصاد اليمني خلال العقود الأخيرة؛ فالسؤال لا يتعلق بحجم الواردات والصادرات فقط، وإنما بطبيعة العلاقة التي نشأت بين السوق اليمنية والأسواق العالمية، وبالنتائج التي ترتبت على هذا النمط من التبادل بالنسبة للإنتاج المحلي وفرص العمل والتنمية الاقتصادية.

الاقتصاد المفتوح

شهد اليمن منذ منتصف التسعينيات تحولات اقتصادية واسعة ارتبطت بما كان يسمى "برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية" الذي جرى تطبيقه بطلب مع المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكان قطاع التجارة الخارجية من أكثر القطاعات تأثراً بهذه التحولات، حيث أتيح للاستيراد مجال أوسع، وأُزيلت قيود عديدة كانت مفروضة عليه، وخُفضت الرسوم الجمركية على عدد من السلع، وتراجع العمل بنظام التراخيص الذي كان ينظم دخول كثير من المنتجات إلى السوق المحلية. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع حجم الواردات.(¹)

وخلال الفترة بين 1995م و2004م ارتفعت الواردات اليمنية بمعدل تجاوز 1000%، في المقابل ارتفعت الصادرات بمعدلات لا بأس بها، إلا أن هذا النمو لم يكن نتيجة توسع متوازن في مختلف القطاعات الاقتصادية، بل ارتبط بصورة رئيسية بتطور صادرات النفط الخام التي أصبحت تمثل أكثر من 90% من إجمالي الصادرات اليمنية.(²) وبذلك نشأت معادلة اقتصادية جديدة: النفط يوفر القسم الأكبر من النقد الأجنبي، والواردات توفر قسماً متزايداً من احتياجات السوق المحلية.

سمحت هذه المعادلة بتوسع الاستهلاك بوتيرة أسرع من توسع الإنتاج؛ فبدلاً من أن يقود ارتفاع إيراد الصادرات النفطية إلى بناء قاعدة صناعية وزراعية واسعة، جرى توجيه جزء كبير من هذه الإيرادات نحو تمويل الاستيراد، ومع مرور الوقت أصبحت الأسواق اليمنية تعتمد بصورة متزايدة على السلع القادمة من الخارج، بينما ظل الإنتاج المحلي عاجزاً عن ملاحقة النمو المستمر في الطلب.

النفط ممولاً للاستيراد

مثل النفط الركيزة الأساسية التي استند إليها نمط التجارة الخارجية اليمنية، فمنذ بداية تصدير النفط بكميات تجارية في تسعينيات القرن الماضي تحولت عائداته إلى المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي الذي يُستخدم في تمويل الواردات، وتوضح بيانات التجارة الخارجية أن النفط الخام ظل يشكل أكثر من 90% من الصادرات اليمنية خلال سنوات طويلة، في حين توزعت النسبة المتبقية بين المنتجات الزراعية والسمكية وبعض السلع المحدودة الأخرى.( ³)

ويعني ذلك أن قدرة اليمن على استيراد الغذاء والسلع والمواد الخام كانت مرتبطة بصورة مباشرة باستمرار تدفق الإيرادات النفطية؛ فكلما ارتفعت أسعار النفط أو زادت الصادرات النفطية توسعت القدرة على الاستيراد، وكلما تراجعت الإيرادات النفطية ظهرت الاختلالات الكامنة في الاقتصاد بصورة أوضح. وقد برزت هذه الحقيقة بوضوح بعد اندلاع الحرب العدوانية 2015م، حين انهارت الصادرات النفطية وتراجعت موارد النقد الأجنبي بصورة حادة، بينما بقيت الحاجة إلى الواردات الغذائية والاستهلاكية قائمة، وأظهرت تلك المرحلة حجم الاعتماد الذي تشكل خلال العقود السابقة على الخارج في تأمين احتياجات أساسية للسكان، وجزء كبير من عوامل الأزمة المعيشية والمجاعات التي ضربت اليمن في السنوات الماضية كانت بسبب هذا النمط الاقتصادي الذي عجز عن تحمل صدمة الحرب والحصار.

الاعتماد  الاقتصادي على الاستيراد

لم يقتصر أثر هذا التحول على التجارة الخارجية وحدها، بل انعكس على بنية الاقتصاد ككل، فمع توسع الواردات وازدياد عدد السكان وارتفاع الإنفاق الاستهلاكي أصبح الاستيراد من أكثر الأنشطة الاقتصادية جذباً لرأس المال الخاص، فاستيراد سلعة جاهزة وبيعها داخل السوق المحلية كان غالباً أسرع ربحاً من الاستثمار في مشروع زراعي أو صناعي يحتاج سنوات حتى يبدأ الإنتاج، ونتيجة لذلك توسعت الأنشطة التجارية بوتيرة سريعة على حساب توسع الأنشطة الإنتاجية، وازداد وزن المستوردين داخل الاقتصاد الوطني. وفي الوقت نفسه أصبحت السوق اليمنية أكثر ارتباطاً بالأسواق الخارجية في تلبية احتياجاتها اليومية، ما عمق التبعية الاقتصادية اليمنية للخارج وزاد من تخلف القطاعات الانتاجية في الداخل؛ فالقمح يأتي من الخارج، والأرز يأتي من الخارج، والسكر يأتي من الخارج، ومختلف الصناعات الغذائية من معجون الطماطم حتى مشتقات الألبان، وجزء مهم من الأدوية والملابس والآلات ومواد البناء يأتي من الخارج أيضاً، وبذلك لم تعد التجارة الخارجية (الاستيراد) مجرد قطاع اقتصادي بين قطاعات أخرى، بل أصبحت أحد الأعمدة التي يقوم عليها النشاط الاقتصادي اليومي في البلاد.

فاتورة الاستيراد

تشير بيانات التجارة الخارجية الحديثة إلى أن فاتورة الاستيراد اليمنية تبلغ نحو 8.8 مليار دولار سنوياً موزعة على مئات السلع المختلفة، ويبدو هذا الرقم أكثر دلالة عند مقارنته بحجم الاقتصاد اليمني نفسه؛ فالقيمة الإجمالية للواردات تقترب من نصف الناتج المحلي الإجمالي، ما يعني أن جانباً مهماً من النشاط الاقتصادي والاستهلاك اليومي في البلاد يعتمد بصورة مباشرة على السلع القادمة من الخارج، ولا يتعلق الأمر باستيراد آلات متقدمة أو معدات صناعية معقدة فقط، بل يشمل طيفاً واسعاً من السلع التي تدخل في حياة السكان اليومية، بدءاً من الغذاء وانتهاءً بالملابس والمواد الاستهلاكية. (4)

وتحتل السلع الغذائية موقعاً مركزياً في هذه الفاتورة؛ فاليمن ينفق سنوياً مئات الملايين من الدولارات على استيراد القمح والأرز والسكر والحليب والدواجن ومشتقاتها، إضافة إلى زيوت الطعام والذرة وفول الصويا والمعكرونة والجبن والشاي وسلع غذائية أخرى. وتشير البيانات إلى أن قيمة واردات عدد محدود من السلع الغذائية الأساسية تتجاوز وحدها ملياري دولار سنوياً(5)، تشمل القمح والأرز والسكر والحليب والدواجن، وتعني هذه الأرقام أن جزءاً مهماً من الغذاء الذي يستهلكه اليمنيون لم يعد يأتي من مزارعي تهامة والجوف وذمار أو من مربي الماشية في المرتفعات اليمنية، بل من مزارع القمح في روسيا وأستراليا، وحقول الأرز في الهند وباكستان، ومصانع الألبان في السعودية وشركات الدواجن في البرازيل وفرنسا وغيرها، وبذلك لم يعد الاستيراد يسد فجوة غذائية، بل أصبح يعكس انتقال جزء من النشاط الزراعي والغذائي المرتبط بالسوق اليمنية إلى اقتصادات خارجية.

ويظهر هذا التحول بصورة أوضح عند النظر إلى قطاع الثروة الحيوانية؛ فخلال ما سميت "سنوات الاستقرار الاقتصادي النسبي" 2004م-2008م استوردت اليمن كميات كبيرة من اللحوم البيضاء واللحوم الحمراء والحيوانات الحية ومنتجات الألبان المختلفة الممكن انتاجها في البلد، وتشير بيانات القطاع الزراعي إلى وجود فجوات غذائية مستمرة في عدد من المنتجات الحيوانية جرى سدها عن طريق الاستيراد.(6) وهذه الفجوات لا تعني فقط وجود نقص بين الإنتاج والاستهلاك، بل تعني أيضاً انتقال جزء من الطلب الغذائي اليمني إلى مزارع ومسالخ ومصانع ألبان الدول الأخرى.

ولا يقتصر الاعتماد على الخارج على الغذاء وحده، فالقسم الآخر من الواردات يتكون من المنسوجات والمنتجات البلاستيكية والأدوية والأجهزة الكهربائية ومواد البناء المختلفة والحديد والصلب والسيارات، وتكشف هذه القائمة أن الاقتصاد اليمني لا يستورد السلع الرأسمالية والتقنية فقط، بل يستورد أيضاً جانباً مهماً من احتياجاته الصناعية والاستهلاكية اليومية التي بالإمكان إنتاجها محلياً، وفي كثير من الحالات تتعلق هذه الواردات بسلع تنتجها دول نامية أخرى تمتلك قواعد صناعية أوسع أو سياسات أكثر قدرة على حماية وتشجيع الإنتاج المحلي.

وتعكس خريطة الشركاء التجاريين صورة واضحة عن هذه العلاقة؛ فالصين تتصدر قائمة الدول المصدرة إلى اليمن، تليها السعودية والهند وتركيا ودول أخرى، وهو ما يعني أن جزءاً مهماً من القوة الشرائية اليمنية يتحول سنوياً إلى طلب على المنتجات المصنعة أو الزراعية في هذه البلدان، وفي المقابل يعتمد الجانب الأكبر من الصادرات اليمنية على النفط الخام وبعض المنتجات الأولية، الأمر الذي يضع اليمن في موقع يبيع المواد الخام ويشتري السلع المصنعة والغذائية الجاهزة، وهي دورة اقتصادية تؤبد الفقر والجوع والبطالة والتخلف الاقتصادي، ومعها الأزمات السياسية.(7)

ومن هنا لا تبدو التجارة الخارجية أنها عملية تبادل بين سلع متجهة إلى الخارج وسلع قادمة من الخارج، بل تظهر بوصفها مرآة لطبيعة الاقتصاد نفسه؛ فحين تتكون الصادرات أساساً من النفط والمواد الأولية، بينما تتكون الواردات من الغذاء والملابس والأدوية ووسائل النقل والمنتجات الصناعية، فإن ذلك يكشف عن اقتصاد يستهلك من الخارج أكثر مما ينتج للتصدير خارج قطاع النفط، ولهذا فإن فهم التجارة الخارجية اليمنية لا يبدأ من الموانئ والسفن، بل من السؤال المتعلق بما يجري داخل الاقتصاد الوطني: لماذا اتسعت الحاجة إلى الاستيراد بهذا الحجم؟ وما الذي كان يمكن أن يُنتج محلياً ولم يُنتج؟

خاتمة الحلقة الأولى

تكشف المعطيات السابقة أن التحول السلبي الذي شهدته التجارة الخارجية اليمنية منذ التسعينيات لم يقتصر على زيادة حجم الواردات أو تنوع السلع المتداولة في الأسواق، بل أدى إلى تغير أعمق في طريقة عمل الاقتصاد نفسه؛ فمع توسع الاعتماد على النفط للحصول على النقد الأجنبي، وتوجيه جانب كبير من هذا النقد نحو استيراد الغذاء والسلع الاستهلاكية والصناعية، أصبحت السوق المحلية أكثر ارتباطاً بالإنتاج الخارجي من ارتباطها بالإنتاج الوطني الذي انحسر كثيراً في تلك الفترة. ومن هذه الزاوية لا يظهر الاستيراد بوصفه مجرد استجابة لنقص الإنتاج المحلي، بل بوصفه جزءاً من البنية الاقتصادية التي تشكلت خلال العقود الماضية؛ فكلما توسعت الواردات لتلبية الطلب المحلي دون توسع موازٍ في الزراعة والصناعة، ازداد اعتماد السوق على الخارج، وتراجعت الحوافز الاقتصادية للاستثمار الإنتاجي، واتسعت الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج، وبذلك لم يعد الاستيراد نتيجة لضعف القاعدة الإنتاجية فحسب، بل أصبح أحد العوامل التي تسهم في استمرار هذا الضعف وإعادة إنتاجه.

لقد أظهرت هذه الحلقة أن اليمن لم يكن يستورد الآلات والتقنيات المتقدمة فقط، بل كان يستورد أيضاً جانباً كبيراً من غذائه واحتياجاته الاستهلاكية الأساسية، وهذا يعني أن السؤال المركزي لا يتعلق بما تستورده البلاد، بل بما كان يمكن إنتاجه محلياً ولم يُنتج. فخلف كل سلعة مستوردة توجد أرض لم تُزرع، أو مصنع لم يُنشأ، أو فرصة عمل لم تتولد داخل الاقتصاد الوطني.

ومن هنا تنتقل الدراسة إلى السؤال التالي: إذا كانت الواردات قد ساهمت في تلبية احتياجات السوق، فما الذي خسره الاقتصاد اليمني نتيجة الاعتماد المتزايد عليها؟ وكيف أثرت هذه العلاقة في الزراعة والصناعة وفرص العمل والتراكم الاقتصادي داخل البلاد؟ وهو ما سوف نجيب عليه في الحلقة القادمة.

 

المصادر:

1. قطاع التجارة الخارجية في الجمهورية اليمنية، الجهاز المركزي للإحصاء، إحصاءات سنوات 2002م – 2004م. المركز الوطني للمعلومات، "قطاع التجارة الخارجية"، متوفر على الموقع: https://www.yemen-nic.info/(تم زيارة الموقع بتاريخ 21 يونيو 2026م)

2. المصدر السابق.

3.  الاتحاد العام للغرف التجارية والصناعية اليمنية، "التجارة الخارجية وتعزيز تنافسية صادرات القطاع الخاص اليمني"، (أغسطس 2023م)

4- بيانات التجارة الخارجية بوزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار - صنعاء، 2026م.

5- يمن إيكو، "فاتورة الاستيراد اليمنية تستنزف 8.8 مليار دولار سنوياً من العملة الصعبة"، 17 يونيو 2026. متوفر على الموقع: https://yemeneco.org/

6- المركز الوطني للمعلومات، "الواردات من الثروة الحيوانية في الجمهورية اليمنية"، استناداً إلى كتاب الإحصاء الزراعي السنوي 2008م. (تم زيارة الموقع بتاريخ 21 يونيو 2026م)

7-  قطاع التجارة الخارجية في الجمهورية اليمنية، الجهاز المركزي للإحصاء، إحصاءات سنوات 2002م – 2004م.