موقع أنصار الله . تقرير

في رحاب ذكرى ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام، نقف اليوم عند محطة تاريخية فاصلة في مسار الأمة الإسلامية، محطة تجمع بين شقها الأليم وجانبها العظيم في آنٍ واحد، إنها ذكرى تحمل في طياتها معاني التضحية والفداء، وتختزل دروساً خالدةً في مواجهة الظلم والطغيان، وتقدم للأجيال المتعاقبة نموذجاً فريداً للثائر الذي حمل القرآن حليفاً، والبصيرة سلاحاً، والجهاد طريقاً. هذه المناسبة هي نافذة نطل من خلالها على معاني النهضة الحقيقية، ومرآة نرى فيها واقعنا المعاصر، ومدرسة نتعلم منها كيف نواجه التحديات المصيرية التي تعصف بأمتنا اليوم فهي بالتالي محطة تعبوية وتوعوية نتزود منها بالعزم، ونشحذ فيها الهمم، ونستلهم منها قوة الإرادة والثبات على المبدأ.

كما أن هذه الذكرى تمثل صرخة إيقاظ لكل غافل، ودعوة صادقة لكل مقصر، وإنذاراً لكل متنصل عن مسؤوليته؛ لمراجعة حساباته، والتدقيق في خياراته الخاطئة والخاسرة، قبل فوات الأوان.

الامتداد التاريخي: من كربلاء إلى الكوفة

لا يمكن فهم ثورة الإمام زيد بن علي عليهما السلام السلام بمعزل عن سياقها التاريخي المرتبط بنهضة جده الإمام الحسين عليه السلام، فثورة الإمام زيد كانت امتداداً طبيعياً لتلك النهضة المباركة التي فجرها سيد الشهداء في كربلاء، وأرست قواعد المواجهة مع الطغيان الأموي الذي جثم على صدر الأمة عقوداً طوالاً.

لقد شكلت ثورة الإمام زيد علي السلام استمراريةً حيةً لصوت الحق، وأعطت للأمة فرصةً جديدةً لتصحيح مسارها المنحرف، وبهذه الاستمرارية بقي للحق صوته المدوي، وامتداده الطبيعي في واقع الأمة، إن بركات هذه النهضة المباركة لا تزال حاضرة في واقعنا المعاصر، تضيء لنا الطريق في أحلك الظروف، وتذكرنا بأن التضحية في سبيل المبدأ هي ضرورة وجودية لبقاء الأمة واستمرارها.

وإذا كان الإمام الحسين عليه السلام قد رسم بدمه الزكي خارطة الطريق نحو العزة والكرامة، فإن الإمام زيداً عليه السلام قد أكمل المسيرة، وجسّد في ثورته المعاني ذاتها التي قامت عليها نهضة جده: رفض الضيم، والتصدي للطغيان، والدفاع عن الدين، وإنقاذ الأمة من براثن الاستعباد والتضليل.

لقد تحركت ثورة الإمام زيد من أجل الأمة كل الأمة، لا من أجل مصالح فئوية ضيقة، ولا من أجل مكاسب آنية زائلة، كانت حركته امتداداً لحركة رموز الهدى وأعلام الهداية من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذين جسدوا الإسلام الأصيل في مبادئه وقيمه وأخلاقه، وقدموا للعالم نموذجاً للثائر الذي لا يبتغي من ثورته إلا وجه الله وخدمة الأمة.

طغيان بني أمية: قراءة في المشهد التاريخي

لكي ندرك عمق وأهمية ثورة الإمام زيد، لا بد أن نقف عند طبيعة الطغيان الأموي الذي واجهه. لقد كان الطغيان الأموي نموذجاً فريداً في تاريخ الانحراف عن الإسلام، حيث تجاوز كل الحدود في استباحة المقدسات، وقهر الأمة، وإذلالها، واستعبادها، وتحريف دينها.

لقد سام النظام الأموي الأمة سوء العذاب، واضطهدها بكل أشكال الاضطهاد، واستهدفها في دينها تحريفاً وإدغالاً وإفساداً، وفي قيمها ومبادئها تشويهاً وتدميراً. ووصلت به الجرأة أن استباح المدينة المنورة، حاضرة الإسلام ومهبط الوحي، وقتل فيها خيرة الصحابة والتابعين، وانتهك حرماتها، ثم لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتدت يده الآثمة إلى الكعبة المشرفة، بيت الله الحرام، فضربها بالمنجنيق وأحرقها، في مشهد لم تشهد الأمة له مثيلاً من قبل.

والأخطر من كل ذلك، أن هذا الطغيان لم يكتفِ بالقهر المادي والمعنوي للأمة، بل تجرأ على مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، فكان يُسب في محضر ملوكهم وزعمائهم، فلا يبالون ولا يغضبون ولا يستنكرون، بل يستنكرون على من ينبري للدفاع عن رسول الله. لقد بلغ الانحراف بهم مبلغاً أصبح فيه الدفاع عن النبي جريمةً تستوجب العقاب، والتعدي عليه موقفاً لا يستدعي الاستنكار!

في هذا السياق المشحون بالظلم والفساد والانحراف، برزت ثورة الإمام  كتعبير عن عدم السكوت أمام الباطل، وعدم الخنوع للظلمة مهما كان الثمن.

حليف القرآن: الأساس الفكري لثورة الإمام زيد عليه السلام

من أبرز ما ميز شخصية الإمام زيد بن علي عليه السلام ذلك اللقب العظيم الذي عُرف به: "حليف القرآن". وهذا اللقب كان عنواناً لحركته ونهضته وجهاده، ومعبراً عن طبيعة التكوين الفكري والروحي لهذا الإمام العظيم.

لقد كان الإمام زيد متأثراً بالقرآن الكريم في كل تفاصيل حياته، مهتدياً بهديه في كل مواقفه، متحركاً بتوجيهاته في كل خطواته. كانت كل مضامين حركته قرآنية، يستمدها من كتاب الله تعالى: في هدايته للناس، وفي تعليمه لهم، وفي إرشاده إياهم، وفي جهاده، وفي ثورته لإنقاذ الأمة من براثن الضلال والطغيان.

وحتى في خياراته وقراراته، كان الإمام زيد يتخذها بناءً على رؤية قرآنية خالصة، يزنها بميزان الوحي، ويستلهمها من آيات الله البينات، وهذا ما جعل ثورته مختلفة عن غيرها من الثورات، فهي ثورة قرآنية في مبادئها ومنطلقاتها وأهدافها ووسائلها، ومن هنا جاء شعاره الخالد الذي أطلقه في وجه الأمة، وما أحوجها إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى: "البصيرة البصيرة، ثم الجهاد". بهذا الشعار القرآني العظيم، لخص الإمام زيد معادلة النهضة الحقيقية، التي تبدأ بالوعي والفهم والإدراك الصحيح، ثم تنطلق إلى العمل والحركة والجهاد.

البصيرة: ضرورة وجودية في زمن التضليل

تحتاج الأمة في كل مراحل تاريخها إلى البصيرة، لكنها اليوم أحوج ما تكون إليها، وهي تواجه أعتى حملات التضليل والتشويش التي تستهدف وعيها وتشل إرادتها وتعطل قدرتها على التمييز بين الحق والباطل.

في مواجهة الطغيان والظلم والفساد، يكون التضليل هو الوسيلة الأولى والأكثر فاعلية للسيطرة على العقول قبل السيطرة على الرقاب، فقبل أن تُغَل الأيدي بالأغلال، تُغَل العقول بالأوهام والأكاذيب والتبريرات الزائفة ولذلك، تحتاج الأمة في معركتها مع الطغاة إلى البصيرة أولاً، إلى الوعي الكبير الذي يمكّنها من معرفة الواقع، وتشخيص الحقائق، وتحديد الخيارات الصائبة.

والبصيرة هنا تعني القدرة على رؤية ما وراء الأحداث، وفهم الأبعاد الحقيقية للمواقف، وإدراك المخاطر قبل وقوعها، والتمييز بين الصديق والعدو، وبين الناصح والغاش، وبين من يعمل لمصلحة الأمة ومن يتخذها مطية لتحقيق أهدافه الشخصية أو الفئوية.

وتزداد أهمية البصيرة في المراحل المصيرية والمنعطفات الخطيرة، حيث تكثر الأصوات النشاز، وتتشعب السبل، وتلتبس الأمور على الكثيرين، في مثل هذه المراحل، يحتاج الإنسان إلى بصيرة نافذة تمكنه من اتخاذ القرار الصحيح الذي يضمن له النجاة في الدنيا والفلاح في الآخرة.

ولقد عبر القرآن الكريم عن أهمية البصيرة أبلغ تعبير حين قال: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا}. فالقرآن كله بصائر، وهو النور الذي يخرج الناس من الظلمات، وعلى ضوئه نستطيع أن نحدد لأنفسنا المواقف الصحيحة التي نضمن صحتها، ونثق بأنها تمثل الموقف الحق الذي فيه نجاتنا وفلاحنا وعزنا في الدنيا والآخرة.

وفي آية أخرى يؤكد القرآن هذه الحقيقة فيقول: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}. فالإيمان الراسخ هو الذي يثمر البصيرة النافذة، والبصيرة النافذة هي التي تقود إلى الهدى والرحمة.

بين العمى والبصيرة: نماذج من الواقع المعاصر

إن البديل الوحيد عن البصيرة هو العمى، ليس العمى الحسي الذي تفقد فيه العين قدرتها على الإبصار، بل عمى القلوب الذي هو أخطر وأشد فتكاً بالإنسان. يقول الله تعالى في محكم كتابه: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. إنه عمى يحجب الإنسان عن إدراك الحقائق الكبيرة، الحقائق الجلية، الحقائق الواضحة التي لا يمكن لعاقل أن يخطئها.

ونحن اليوم نرى بأعيننا نماذج صارخة من هذا العمى، حين يتعامى البعض عن حقيقة الصراع الدائر في منطقتنا العربية والإسلامية، ويتجاهلون طبيعة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على أمتنا، ويتغاضون عن دور العملاء والمنافقين الذين ينفذون المخططات الاستعمارية تحت شعارات براقة وعناوين خادعة.

إن المقارنة بين طغيان بني أمية في الماضي وطغيان أمريكا و"إسرائيل" في الحاضر تكشف عن تطابق مذهل في الأساليب والأهداف والوسائل فكما كان الطغيان الأموي واضحاً لا لبس فيه في استعباده للأمة وإذلاله لها وتضليله وتحريفه لمفاهيم الدين ونهبه لثرواتها، يأتي الطغيان الأمريكي والإسرائيلي ليمارس الأدوار ذاتها: تهديد الأمة في دينها وقيمها ومبادئها، واستهداف أمنها وسلمها واستقرارها، ونهب اقتصادها وثرواتها، وانتهاك حريتها واستقلالها وكرامتها.

ولقد تجلى هذا الاستهداف بكل وضوح في العدوان على اليمن، حيث ارتكبت قوى العدوان أبشع الجرائم: جرائم القتل الجماعي، والتجويع والحصار، وتدمير البنى التحتية، واستهداف المدنيين بكل أنواع الأسلحة المحرمة، ورغم أن العالم كله قد اعترف ببشاعة هذه الجرائم، وتم إدراج قوى العدوان في مختلف القوائم الدولية لمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، إلا أن فاقدي البصيرة لا يزالون يتعامون عن هذه الحقائق، ويتأثرون بعناوين التضليل والتشويش التي ترفع لتبرير العدوان أو التغطية عليه.

وكما كانت خيانة بعض أبناء الأمة في زمن الإمام زيد واضحة لا لبس فيها، كذلك اليوم نرى بأم أعيننا تحالفات بعض الأنظمة مع أعداء الأمة، وولاءهم لأمريكا و"إسرائيل"، وتآمرهم على شعوب المنطقة. إن النظام السعودي والإماراتي يعلنان صراحةً وبلا مواربة عن علاقاتهما وتحالفاتهما مع أمريكا و"إسرائيل"، بل ويفتخران بذلك ويتباهيان به، ومع ذلك نجد من يبرر مواقفهم ويغطي على خياناتهم.

إن كل ما يفعلونه في منطقتنا العربية والإسلامية، يصب في إطار واحد: خدمة المشروع الأمريكي الإسرائيلي الهادف إلى تدمير الأمة وتقسيمها وإضعافها وإذلالها، إنهم يزرعون الفتن بكل أشكالها، ويثيرون الفرقة بين أبناء الأمة تحت مختلف العناوين، ويوظفون كل الأزمات والنزاعات والصراعات لما يخدم أعداء الأمة.

الجهاد: الترجمة العملية للبصيرة

إذا كانت البصيرة هي الأساس الذي تنطلق منه النهضة الحقيقية، فإن الجهاد هو الترجمة العملية لهذه البصيرة، وهو الثمرة الطبيعية للوعي الصحيح ولهذا قرن الإمام زيد بينهما في شعاره الخالد: "البصيرة البصيرة، ثم الجهاد". فالبصيرة وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بالعمل والحركة، كما أن الجهاد بلا بصيرة قد يتحول إلى فوضى مدمرة أو عنف أعمى لا يحقق أي هدف نبيل.

إن الجهاد ليس مجرد حمل السلاح، بل هو أوسع من ذلك وأشمل. إنه الجهاد بكل صوره وأشكاله: الجهاد بالكلمة، والجهاد بالمال، والجهاد بالموقف، والجهاد بالصبر والثبات، والجهاد العسكري.

واليوم، ونحن نواجه الطغيان الأمريكي والإسرائيلي ومن يدور في فلكهما من المنافقين والعملاء، نحن في أمس الحاجة إلى هذا المزيج الفريد من البصيرة والجهاد. نحتاج إلى البصيرة التي نستمدها من كتاب الله، والتي تنبع من ثقافتنا القرآنية، والتي نكتسبها من الإدراك الصحيح للواقع من حولنا. ونحتاج معها إلى الجهاد الذي يترجم هذه البصيرة إلى مواقف عملية، وإلى صمود أسطوري، وإلى تضحيات جسام، وإلى ثبات في وجه أعتى قوى الطغيان في العالم.

لقد أثبت الشعب اليمني، ببصيرته وجهاده، أن الإرادة الصلبة والموقف الثابت قادران على مواجهة أعتى الآلات العسكرية وأضخم الإمكانات المادية، لقد صمد الشعب اليمني في وجه تحالف دولي يمتلك أحدث الأسلحة وأكثرها تطوراً، واستطاع أن يفشل كل أهداف العدوان، وأن يثبت أن النصر ليس مرهوناً بموازين القوى المادية، وإنما بمدى التمسك بالمنهج الإلهي والثبات عليه.

إن الثورة التي قادها الإمام زيد عليه السلام، والتي انطلقت من قاعدة "البصيرة ثم الجهاد"، تقدم لنا اليوم النموذج الحي الذي نقتدي به، والطريق الواضح الذي نسير عليه. فالبصيرة كشفت لنا حقيقة المعركة وأهدافها وأبعادها، والجهاد مكننا من الصمود والثبات في هذه المعركة، وسيمكننا بإذن الله من تحقيق النصر المؤزر.

"والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت": درس في المسؤولية

من أروع ما سجله التاريخ من مواقف الإمام زيد بن علي عليه السلام، تلك الكلمة الخالدة التي أطلقها في وجه المتخاذلين والمتقاعسين والمبررين لسكوتهم: "والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت، كيف أسكت وقد خُولِف كتاب الله، وتُحُوكِم إلى الجبت والطاغوت".

إنها كلمة تختصر معاني المسؤولية، وتجسد حقيقة الإيمان الحي الذي لا يقبل السكوت على الباطل، ولا يرضى بالخنوع للظالمين. إنها شعارا لكل مؤمن صادق في كل زمان ومكان، يرى الحق فينصره، ويرى الباطل فيقاومه، ولا تسعه نفسه أن يكون محايداً في معركة تدور رحاها بين الحق والباطل.

بهذه البصيرة العالية، وبهذا الإحساس العميق بالمسؤولية، حدد الإمام زيد موقفه، وأعلنها صريحةً مدوية: إن السكوت على الظلم والعدوان خيانة لله ورسوله ولكتابه وللأمة، وإن كتاب الله لا يسمح لأحد بأن يقف متفرجاً والأمة تستباح، والمقدسات تنتهك، والكرامة تداس.

ونحن اليوم، في مواجهة الطغيان الأمريكي والإسرائيلي، نستلهم هذه الكلمة العظيمة، ونرددها بكل ثقة وإيمان: والله ما يدعنا كتاب الله أن نسكت! كيف نسكت وأمتنا تستباح من فلسطين إلى اليمن إلى لبنان إلى سوريا إلى العراق إلى إيران؟ كيف نسكت وشعبنا يعتدى عليه، ويقتل أبناؤه، وتحتل أرضه، ويستباح عرضه، ويحاصر ويجوع؟ إنه لا يجوز أن نسكت، ولا يدعنا كتاب الله أن نسكت.

وكتاب الله الذي يمنعنا من السكوت هو نفسه الذي يأمرنا بالجهاد، ويدعونا إلى مواجهة المعتدين بقوة وعزة: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}، وهو الذي يحثنا على النفير في سبيل الله: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ}، وهو الذي يعدنا بالنصر: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، وهو الذي يذكرنا بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}.

الوعي بالمخطط: قراءة في أهداف العدوان على اليمن

إن البصيرة التي نتحدث عنها تتطلب منا أن نعي حقيقة المعركة التي نخوضها، وخطورة التفريط فيها، وطبيعة الأهداف التي يسعى العدو لتحقيقها، فمن الوهم أن نتصور أن العدوان على اليمن كان يهدف إلى "إعادة الشرعية" أو "دعم الحكومة المعترف بها دولياً" أو غير ذلك من الشعارات الزائفة التي سوقت إعلامياً لتبرير العدوان.

لقد كشفت الأيام حقيقة الأهداف، وبانت الأمور على حقيقتها. فعندما دخل الأعداء إلى المهرة ليجعلوا فيها قاعدة عسكرية أمريكية بريطانية، وعندما تمركزت القوات الأجنبية في حضرموت وسقطرى وميون، اتضحت الصورة: إن الهدف الحقيقي من العدوان هو احتلال اليمن، والسيطرة على مواقعه الاستراتيجية، وتحويله إلى قاعدة عسكرية متقدمة للأمريكيين والبريطانيين والإسرائيليين في قلب العالم العربي والإسلامي.

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم دور الأنظمة العميلة إلا في إطار التراتبية الوظيفية التي يؤدي كل منها دوراً محدداً في خدمة المشروع الاستعماري، فهناك أدوات محلية رخيصة تقدم نفسها وقوداً للمعركة، يقتل أبناؤها ويجرحون، بينما يقف خلفهم السعودي والإماراتي، ومن خلفهم الأمريكي والبريطاني والإسرائيلي. إنهم ليسوا سوى أدوات يعاد تدويرها وفق ما تقتضيه المصلحة الاستعمارية، والهدف النهائي هو تمكين المحتل الأجنبي من السيطرة الكاملة على مقدرات الأمة.

وإزاء هذه الحقيقة الجلية، فإننا لو كنا قد فرطنا في هذه المعركة، واستسلمنا أو تراجعنا، لكانت القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية اليوم في وسط صنعاء، ولكانت في كل المناطق الاستراتيجية من هذا البلد، ولأذل الأعداء شعبنا، ولأهانوا كرامته، ولما بقي لنا شيء من حرية أو استقلال أو كرامة.

لكن البصيرة التي استلهمناها من نهج الإمام زيد عليه السلام، والجهاد الذي خضناه بكل شجاعة وثبات، حالا دون تحقيق هذه الأهداف، وبددا أحلام الغزاة والمحتلين. واليوم، نحن نعيش العزة التي اختارها الله لعباده المؤمنين، ونجسد الحرية موقفاً صادقاً وحراً وقوياً، ونقدم للعالم نموذجاً فريداً في الصمود والتحدي.

مواصلة المشوار حتى النصر

إن ثورة الإمام زيد بن علي عليهما السلام هي مشعل ينير لنا الطريق نحو المستقبل، وبهذه الروح الثورية والجهادية، وبهذه البصيرة القرآنية، سنواصل مشوارنا حتى تحقيق النصر المؤزر بإذن الله، والشعب اليمني سيواصل المشوار لتحرير كل شبر من أرضه المباركة، واستعادة كل المناطق التي احتلها الأعداء ليجعلوها منطلقاً للسيطرة على بلدنا وأمتنا، وسيواصل شعبنا المشوار للتكامل مع كل أحرار الأمة في كل قضايانا الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، قضية الأمة المركزية.

وبهذه الروح، لا يمكن أن نستذل، ولا أن نضام، ولا أن نقهر، ولا أن نداس، ولا أن نخضع للتبعية لأعدائنا من الكافرين والمنافقين. وبهذه الروح، لن نكون شحاتين على أبواب أمراء النفط والمال، بل سنكون شعباً حراً كريماً عزيزاً، يأبى الضيم، ويرفض الهوان، ويتمسك بكرامته مهما كان الثمن.

على درب الإمام زيد ماضون

إن الإمام زيداً باقٍ في وجدان الأمة، خالدٌ في ذاكرتها، ما بقيت السماوات والأرض، وإن ثورته المباركة ستبقى نبراساً يضيء لنا الطريق، ومعلماً يهدينا إلى سبل النهضة الحقيقية، ومدرسة نتخرج منها أجيالاً مؤمنة عزيزة متمسكة بحقها، مدافعة عن كرامتها، مؤمنة بنصر الله وتمكينه.

وإن الأمة التي تحمل في ذاكرتها تضحيات الإمام الحسين والإمام زيد وكل رموز الهدى وأعلام الهداية من آل بيت رسول الله صلوات الله عليه وآله، لهي أمة جديرة بالحرية، والنصر، وجديرة بأن تكتب لها الغلبة في النهاية، مهما طال ليل الظلم والطغيان.