في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ اليمن المعاصر، والمثقلة بتحديات تتداخل فيها المؤامرات الإقليمية مع الخيوط الدولية، يبرز صوت قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله ليرسم معالم مرحلة جديدة تتجاوز مربع المناورات السياسية إلى صياغة معادلات وجودية لا تقبل القسمة على اثنين.

الخطاب الذي ألقاه اليوم السيد القائد إعلان صريح ومباشر عن نفاد الصبر الاستراتيجي لبلد خاض طيلة سنوات أعتى عدوان كوني، وخرج منه أكثر صلابة وقدرة على المبادرة وتغيير خارطة النفوذ في المنطقة، ومن يمعن النظر في مفاصل هذا الخطاب، يدرك أن اليمن الذي وقف بثبات شامخ مسانداً للقضية الفلسطينية ومواجهاً للمخططات الأمريكية والبريطانية والصهيونية في البحار، يمتلك الرؤية والإرادة الكاملة لانتزاع حقوقه المشروعة وثرواته المنهوبة دون مواربة أو انتظار لمكرمة من أحد.

السيد القائد وضع النظام السعودي أمام الحقيقة المرة، محذراً إياه من مغبة التمادي في غيه والاستمرار في لعب دور الأداة المنفذة للمخططات الاستعمارية التي فشلت واشنطن ولندن في تمريرها عبر المواجهة العسكرية المباشرة، فبعد أن ذاقت حاملات الطائرات الأمريكية مرارة الهزيمة والانكسار في البحر الأحمر، وتجرعت قوى الاستكبار خزي الفشل أمام البأس اليماني الشديد، يحاول الأمريكي مجدداً دفع الرياض لتكون كبش الفداء في جولة جديدة من التصعيد الشامل، وهنا تكمن العقدة الاستراتيجية، إذ يفترض بالنظام السعودي الذي تجرع مرارة الخسارة طيلة ثمانية أعوام وبذل خلالها مئات الآلاف من الغارات دون تحقيق أي إنجاز يذكر، أن يدرك جيداً أن الاستمرار في محاصرة اليمنيين وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة، كالمرتبات والسفر، لن يؤدي إلا إلى تدمير ما تبقى من أوهام الاستقرار الاقتصادي في المملكة المتهاوية، بل قد يدفع بعروش النفط إلى حافة الانهيار الكامل ليعود صانعو القرار هناك إلى المربع الأول في رعي الإبل وسط صحاري نجد والحجاز إن هم تمادوا في هذا الغرور غير المحسوب.

المسألة بالنسبة للشعب اليمني قضية دين وعزة وحرية وكرامة إنسانية لا يمكن المقايضة بها مهما بلغت التضحيات وعظمت التحديات، ومن المستحيل القبول بصيغة يتحكم فيها ضابط سعودي أو سفير أرعن بحركة المسافرين أو دخول حبة قمح أو وصول مريض إلى مستشفى لتلقي العلاج، هذه العقلية الطاغية والمتكبرة التي تمارسها الرياض بتوجيهات غربية لم تعد مقبولة إطلاقاً في قاموس اليمن الجديد.

اليمنيون الذين اعتادوا على ملء الساحات والميادين بمليونياتهم الحاشدة تلبية لداعي الجهاد والنفير والتحذير، يعلنون للعالم أجمع أن لقمة عيشهم وثرواتهم النفطية السيادية التي يذهب ريعها لحسابات العدو بينما يتضور أبناء الوطن جوعاً، هي خطوط حمراء ستتحرك لأجلها الصواريخ الباليستية والفرط صوتية والطائرات المسيرة لتصنع معادلة ردع حقيقية وواضحة عنوانها المطار بالمطار والميناء بالميناء والحصار بالحصار، والمنشآت الحيوية والنفطية السعودية ستكون في دائرة الاستهداف المباشر وبلا هوادة.

وعندما يتحدث القائد بلسان الشعب وقبائله الحرة الأبية، فإنه يدرك مكامن القوة والمدد في هذا البلد العزيز الذي يأبى الضيم والذل، فالقبائل اليمنية التي قدمت قوافل الشهداء وصنعت ملاحم النصر في مختلف الجبهات، لا يمكن أن ترضى ببيع كرامتها وسيادتها مقابل فتات المال أو وعود زائفة، ومحاولات النظام السعودي تشديد الخناق الاقتصادي لتركيع المجتمع وإثارة الفتن الداخلية ما هي إلا أوهام ستتحطم وتنهار سريعاً أمام صمود وثبات الشعب اليمني.

الشعب الذي واجه الحصار الصهيوني على غزة وفرض معادلاته البحرية بكل شجاعة، لن يقف مكتوف الأيدي أمام من يحاول خنقه وتجويعه لحسابات صهيونية أمريكية مكشوفة، والتواطؤ السعودي الفاضح بتقديم الإحداثيات الاستخبارية وتسهيل حركة الطيران التجسسي للعدو الصهيوني انطلاقاً من أراضيه، يؤكد أن الرياض قد جردت نفسها من كل قيم العروبة والجوار، لتصبح شريكاً كاملاً في سفك الدم اليمني والفلسطيني على حد سواء، وهو ما يجعل مواجهتها واجباً دينياً ووطنياً مقدساً.

رسالة التحذير والنفير التي انطلقت من عاصمة الصمود صنعاء تضع قوى البغي والعدوان أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الإذعان للحقوق المشروعة للشعب اليمني ورفع الحصار الشامل ووقف التدخل السافر في شؤونه الداخلية، وإما الذهاب نحو تصعيد واسع وشامل ستكون عواقبه وخيمة ومزلزلة على مملكة الرمال، لاسيما وأن معادلات الأمس قد ولت إلى غير رجعة، واليمن الصاعد كقوة إقليمية مؤثرة وفاعلة يمتلك اليوم من عوامل الثبات والتصنيع الحربي والإيمان ما يؤهله لفرض إرادته وتدفيع البغاة ثمن طغيانهم، مستنداً إلى التفويض المليوني والقبلي المطلق، وواقفاً بقدم ثابتة في خندق الكرامة الذي لا تراجع عنه حتى النصر الكامل.