موقع أنصار الله . تقرير | علي الدرواني

كشف البيان الصادر عن القوات المسلحة اليمنية عن نقطة تحول جديدة في مسار المواجهة؛ حيث جاءت العملية العسكرية الواسعة التي استهدفت تجمعات ومواقع تحشيد عسكرية تابعة للعدو السعودي في مناطق الرويك، والعبر، والثنية، ومعسكرات الفرقة الأولى والثالثة طوارئ، وصولاً إلى منطقة الوديعة الشرقية، كضربة استباقية ذات أبعاد استراتيجية ودلالات ميدانية مرادفة لرفع الجاهزية العسكرية.

خلفيات التحشيد ومؤشرات التصعيد العدواني

تأتي هذه العملية والضربات المكثفة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة مع تسريبات ومؤشرات ميدانية متزايدة تناقلتها أوساط تقارير دولية وإعلامية، من بينها ما أفاد به موقع "ذا ميديا لاين" بشأن وجود خيارات عسكرية يتم إعدادها لفرض واقع ميداني جديد، وقبلها كانت "الغارديان" قد رصدت في تقرير لها أيضا تلك التحشيدات والاستعدادات السعودية، لما وصفته بالاستعداد لشن هجوم عسكري كبير ضد اليمنيين، بحريًّا وربما بريًّا في وسط اليمن، وأشارت حينها إلى أن "القواتِ السعوديةَ شوهدت وهي تنقل من شرق اليمن في خطوة قد تمثل تمهيدًا لهجوم بري، بالتوازي مع محاولات الرياض لتشكيل تحالف بحري لحماية ملاحتها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب".
وتركزت هذه المؤشرات حول عمليات نقل وتحشيد لقوات عسكرية تضم آلاف العناصر من محافظة حضرموت باتجاه مأرب، بهدف وضع خطط لإعادة التموضع وفتح محاور تصعيد جديدة باتجاه المحافظات المجاورة، وعلى رأسها محافظة البيضاء. وتقول التقارير إن الهدف المحوري لهذه التحركات ينحصر في محاولة خلق ضغط عسكري وسياسي يُجبر صنعاء على التراجع عن معادلة المطالبة برفع الحصار الشامل.  
وقد سبق هذا التطور الميداني سلسلة لقاءات واجتماعات عسكرية مكثفة قيادية في مأرب والمناطق المحيطة بها، حملت طابع الاستعداد المباشر وتنسيق غرفة العمليات المشتركة لبدء مرحلة جديدة من الهجمات البرية المدعومة لوجستياً واستخباراتياً. 

الهندسة الاستباقية للعملية العسكرية

يتمثل البعد الأساسي لعملية القوات المسلحة في عنصر المفاجأة وكسر مرحلة التحضير الميداني قبل اكتمالها، وذلك عبر ضرب نقاط التجميع والحشد، واستهداف مناطق الرويك، والعبر، والثنية في خطوط الإمداد والتجميع الشرقية، بهدف منع تشكيل الكتلة اللازمة لإطلاق أي عدوان بري موسع. ويأتي ذلك في خطوة استراتيجية تضمن شل قدرات العدو، حيث طالت الهجمات معسكرات ومخازن أسلحة نوعية وآليات عسكرية في نطاق الوديعة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تحييد البنية التحتية اللوجستية التي بنيت على مدار الأسابيع الماضية. 
وبالإضافة إلى ذلك فإن تدمير المقرات التابعة لقيادات الفرقتين "الأولى والثالثة طوارئ" يساهم في تفكيك منظومة القيادة والسيطرة الميدانية للتحشيدات المرصودة. 

الرسائل والمسارات المستقبلية

أعاد البيان الصادر عن القوات المسلحة التذكير بمعادلة "الحصار بالحصار"، مؤكداً أن الاستجابة لأي تحركات تصعيدية ستكون مباشرة وعلى نطاق واسع يتجاوز خطوط التماس التقليدية. ونتيجة لعملية اليوم فإن الاستهداف المبكر لخطوط الإمداد القادمة من حضرموت يحقق هدفا مهما في شل المخطط الذي كان يستهدف فتح جبهة البيضاء وتحريك الجبهات الرخوة.
وإلى جانب ذلك حملت الرسالة السياسية والأمنية التأكيد على أن التحركات العسكرية هي تحت المراقبة الاستخباراتية الدقيقة، وأن البدء في تطبيق أي خيار عسكري سينقل المواجهة فوراً إلى العمق والمناطق الحيوية التابعة للعدو السعودي وقواته المشرفة على التحشيد. 
تظهر هذه العملية أن استباق التحركات قبل اكتمال جاهزيتها يمثّل الإستراتيجية المعتمدة لإحباط أي محاولات لتغيير خريطة السيطرة أو فرض شروط سياسية عبر ورقة التصعيد العسكري والحصار. 

ثلاثية: الاستخبارات، الدقة، والجاهزية العالية

لم تكن الضربة الاستباقية مجرد رد فعل عسكري عابر، بقدر ما كانت نتاج ترابط وثيق بين ثلاثة أركان أساسية حسمت نتيجة العملية قبل بدئها:
من جهة كان التفوق والاستطلاع الاستخباراتي في رصد التحركات الممتدة من حضرموت إلى مأرب والوديعة، وامتلاك القوات المسلحة لشبكة استطلاع واستخبارات ذات كفاءة عالية. لم يقتصر الرصد على تحديد أعداد القوات والقواعد، بل امتد لتتبع الخطط العسكرية في مراحلها النهائية، وتحديد زمن الانطلاق بدقة، ما أفقد الطرف الآخر عنصر المفاجأة تماماً. 
ومن جهة أخرى فإن الدقة المتناهية في التنفيذ، انعكست في الاستهداف المركز لمواقع حساسة مثل مخازن الأسلحة، وغرف عمليات الفرقتين الأولى والثالثة طوارئ، وتجمعات القوات في الرويك والعبر. قدرة عالية على توجيه الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة نحو أهدافها دون إهدار للجهد العسكري، ما ضاعف الخسائر المادية واللوجستية في صفوف العدو ومرتزقته، وشل قدرته على التجميع.
وقد كانت الجاهزية والقدرة على المناورة، والانتقال السريع من مرحلة المراقبة والرصد إلى مرحلة الهجمات الصاروخية والجوية الكثيفة للقوات المسلحة، مساعداً أتاح إحباط المخطط الميداني وهو في طور التشكل النهائي.

ختاماً:

 لم يقتصر البيان الصادر عن القوات المسلحة اليمنية على إعلان تفاصيل الضربة الاستباقية فحسب، بل حرص على أن يحمل في طياته تحذيراً ناصحا للمغرر بهم والمخدوعين في تلك المعسكرات بضرورة المغادرة والعودة إلى مناطقهم قبل فوات الأوان. وتأتي هذه الخطوة لتعرية حقيقة الموقف الذي تضع فيه السعودية تجمعات المرتزقة في مواجهة صريحة مع تطلعات شعبهم، والتركيز على هدف القوات المسلحة النابع من معادلة "الحصار بالحصار" لتحقيق عزة الشعب اليمني وكرامته، بعيداً عن التبعية للرياض أو تنفيذ إملاءاتها ومخططاتها الخبيثة التي تستهدف اليمن واليمنيين في شمال الوطن وجنوبه على حد سواء.