موقع أنصار الله . تقرير | يحيى الشامي

يمثل الحظر اليمني -بدوافعه الأخلاقية والقانونية المحقّة- نقطة تحول جيوسياسي وتاريخي فرضت فيه العاصمة اليمنية صنعاء كلمتها بعد نفاد كل الوسائل والسبل المتاحة، لتصيغَ بمعادلاتها العسكرية الصارمة واقعاً جديداً أربك حسابات الرياض وعواصم القرار الغربي الداعمة لها، فالحظر البحري اليمني الذي أعلنته القوات المسلحة اليمنية امتد ليكون قيداً فولاذياً يلتف حول عنق الملاحة السعودية بأكملها، متجاوزاً ناقلات النفط ليشمل سفن البضائع السائبة والتجارة العامة، بالتوازي مع عمليات عسكرية برية نوعية سحقت تحشيدات المرتزقة في الداخل، مجهضة الرهانات السعودية على تحريك الجبهات المحلية كأوراق ضغط.

حظر الموانئ وخنق الشريان البديل

منذ بداية المواجهة، حاولت السعودية تسويق فكرة أنها قادرة على حماية أمن طاقة كبار مستهلكي العالم بعيداً عن مضيق هرمز من خلال تفعيل خط الأنابيب "شرق-غرب" الممتد من حقول النفط في المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة استيعابية نهارية تم رفعها لتصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً، كانت الخطة السعودية تهدف إلى جعل البحر الأحمر الممر الآمن والبديل لتصدير النفط نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية في حال اشتعال الخليج. لكن الحسابات السعودية انكشفت أمام "الجغرافيا العسكرية اليمنيّة" مع إعلان الحظر البحري واستهداف السفن المرتبطة بالعدوان، حيث تحول البحر الأحمر من ممر آمن إلى المنطقة الأكثر رعباً في خارطة الملاحة الدولية بالنسبة للرياض.

بحسب تقارير ملاحية غربية صادرة عن معاهد رصد حركة السفن مثل "لويدز ليست" و"تانكر تراكرز" المتخصصة في تتبع ناقلات النفط، فإن حركة شحن النفط السعودي عبر باب المندب سجلت تراجعاً حاداً وغير مسبوق تجاوز 65% خلال فترات ذروة الحظر، وجاء في تقرير فني لـ "لويدز ليست":

"إن المخاطر التشغيلية المرتبطة بالإبحار في جنوب البحر الأحمر أجبرت الناقلات التي ترفع العلم السعودي أو تلك المملوكة لشركات تابعة للمملكة على تبني استراتيجيات تجنب كاملة، حيث بات ميناء ينبع يعاني من حالةِ شبه عزلة عن مسارات الشحن المتجهة جنوباً نحو آسيا".

الشركات العالمية المشغلة للناقلات لم تعد قادرة على تحمل المغامرة؛ فوفقاً لبيانات سوق التأمين في لندن  قفزت "علاوة مخاطر الحرب" للسفن المرتبطة بالسعودية إلى مستويات قياسية بلغت 1% إلى 1.5% من قيمة السفينة الكلية لكل رحلة واحدة. هذا الارتفاع الجنوني يعني أن الناقلة البالغ ثمنها 100 مليون دولار باتت تتطلب مليون دولار إضافية كأقساط تأمين للرحلة الواحدة، ما جعل كلفة نقل النفط عبر البحر الأحمر باهظة ومكلفة للغاية، وأجبر الرياض على تحويل مسار جزء هائل من إمداداتها عبر طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، وهو ما يضيف مسافة 3500 ميل وزمن رحلة إضافي يصل ما بين 14 إلى 21 يوماً، فضلاً عن استهلاك وقود مضاعف أثقل كاهل الميزانية السعودية.

شلل سفن السائبة والتجارة العامة السعودية

لم تتوقف مفاعيل الحظر البحري اليمني عند حدود النفط، بل امتدت بضربات دقيقة وموجعة لتصيب عصب التجارة السعودية غير النفطية. إن سفن البضائع السائبة التي تنقل القمح، الحبوب، المواد الإنشائية، والحديد، بالإضافة إلى سفن الحاويات التجارية، وجدت نفسها تحت مقصلة الاستهداف المباشر فور انتهاكها لمعادلة الحظر.

الموانئ السعودية الغربية، وعلى رأسها ميناء جدة (الذي يعد الشريان التجاري الرئيسي للمملكة ويمد المنطقة الغربية بالسلع) وميناء جيزان، شهدت انخفاضاً حاداً في عدد السفن الواصلة. وفي تقرير تحليلي صادر عن الاتحاد الدولي للشحن البحري "بيمكو" جاء ما يلي حيال وضع الموانئ السعودية:

"لقد سجلت حركة سفن السائبة والتجارة العامة المتجهة إلى الموانئ الغربية للسعودية انخفاضاً يقارب 40%. إن تمنُّعَ كبرى الخطوط الملاحية عن إرسال سفنها إلى هذه الموانئ يعود إلى تصنيف المنطقة كبيئة عالية المخاطر، والخشية من شمول هذه السفن في قوائم الاستهداف اليمنية نتيجة الارتباط التجاري مع الجانب السعودي"، وهو ما فرض على الاقتصاد السعودي واقعاً مأزوماً، تمثل في:

  1. أزمة سلاسل الإمداد: تأخر وصول المواد الغذائية الأساسية والمواد الأولية للمصانع السعودية لمدد تتراوح بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.
  2. ارتفاع تكاليف الشحن الداخلي: اضطرار الرياض لتحويل مسار السفن التجارية نحو موانئها على الخليج العربي (مثل ميناء الملك عبد العزيز في الدمام)، ومن ثم إعادة نقل تلك البضائع براً عبر شاحنات تقطع مسافات شاسعة تتجاوز 1400 كيلو متر للوصول إلى المناطق الغربية، ما ضاعف كلفة السلع النهائية على المستهلك السعودي، وأحدث تضخماً كبيراً في الأسواق المحلية.
  3. لجوء السفن لـ "الإبحار المظلم": رصدت مراكز تتبع السفن قيام مئات السفن المتجهة للسعودية بإغلاق أجهزة بث التعارف (AIS) لأسابيع في محاولة للتخفي، وهو إجراء عالي الخطورة ملاحياً ويحرم السفن من التغطية التأمينية القياسية في حال وقوع حوادث.

الصحافة الغربية الاقتصادية تكشف جانياً من خسائر السعودية

لم يعد بإمكان الرياض أو حلفائها إخفاء الأثر الاقتصادي المدمر للحظر، حيث تولت كبريات الصحف الاقتصادية العالمية توثيق هذا الانهيار بالأرقام والتحليلات الرصينة، ومما جاء في الصحافة الغربية ما يكشف الكثيرمن خسائر المملكة، ومنه ما نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز البريطانية، تقرير مطول تحت عنوان "البحر الأحمر يتحول إلى فخ مالي للرياض"، وجاء فيه حرفياً: "إن الحظر البحري الذي تفرضه صنعاء يمثل التحدي الأكبر لخطط التحول الاقتصادي للمملكة العربية السعودية، إن عجز واشنطن ولندن عن تأمين الممر المائي يعني أن الرياض باتت تدفع ثمناً مزدوجاً؛ فهي لا تخسر فقط كفاءة لوجستية حيوية، بل تجد مشاريعها الساحلية الكبرى مشلولة تحت تهديد الصواريخ والمسيرات البحرية التي أثبتت دقة غير متوقعة في إصابة الأهداف المحددة".

وفي السياق ذاته، كشفت وكالة "بلومبرغ" الأمريكية للاقتصاد والتحليل المالي عن أرقام صادمة تتعلق بالبيئة الاستثمارية للمملكة، مقتبسة عن خبراء في إدارة المخاطر الدولية ما يلي:

"لقد أدى الحظر اليمني إلى هروب واسع لرأس المال الأجنبي من قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية السعودي في البحر الأحمر. إن كلفة التشغيل المباشرة لشركات الشحن التي تتعامل مع الموانئ السعودية ارتفعت بنسبة تزيد عن 50%، ما دفع المستثمرين إلى مراجعة جدوى البقاء في سوق يعجز فيه الحليف الأمريكي عن توفير مظلة حماية بحرية موثوقة ضد ضربات صنعاء الصاروخية المستمرة"

ضربة في قلب "الرؤية".. خسائر أرامكو ومشاريع نيوم والبحر الأحمر

الامتداد الأخطر للعمليات البحرية اليمنية يتمثل في ضرب الجدوى الاقتصادية والإنشائية للمشاريع العملاقة التي تمثل العمود الفقري لـ "رؤية السعودية 2030" بقيادة محمد بن سلمان، وعلى رأسها مشروع مدينة "نيوم" (NEOM) ومشروع "البحر الأحمر السياحي". فقد شُلّت سلاسل إمداد "نيوم" التي تعتمد عليها المدينة المستقبلية بشكل كلي على استيراد مواد البناء المتطورة، التكنولوجيا البيئية، والآليات الثقيلة عبر الموانئ الشمالية للبحر الأحمر (مثل ميناء ضباء). الحظر اليمني على سفن السائبة والتجارة العامة أدى إلى امتناع الخطوط الملاحية عن إيصال هذه الشحنات، ما تسبب في تجميد أو إبطاء عمليات الإنشاء في "ذا لاين" بشكل حاد، وارتفاع كلفة المواد التي يتم نقلها عبر مسارات برية معقدة وطويلة.

كما أن انتحار مشروع البحر الأحمر السياحي الذي صُمم ليكون وجهة عالمية للسياحة الفاخرة على الجزر والموانئ الغربية للمملكة، بات يقع مباشرة في منطقة العمليات العسكرية البحرية، وتصنيف البحر الأحمر كمنطقة حرب أدى إلى إلغاء شركات السفن السياحية العملاقة لجميع رحلاتها إلى الشواطئ السعودية، وتحول المشروع من حلم استثماري إلى عبء مالي يستنزف صندوق الاستثمارات العامة دون أي عوائد تذكر.

ولم تكن شركة "أرامكو السعودية" بمعزل عن هذا الضغط؛ فقد اضطرت الشركة إلى إعادة جدولة خططها اللوجستية، وتأجير ناقلات أجنبية بأسعار مضاعفة لإخفاء هويتها الملاحية وتجنب الحظر، بالإضافة إلى تعطل عمليات الصيانة الدورية لمنصات الحفر والإنتاج البحرية في حقول غرب المملكة نتيجة إحجام شركات الخدمات الفنية الدولية عن إرسال طواقمها إلى بيئة عسكرية غير آمنة.

ترابط المسارين.. سحق رهانات "الداخل" وتدمير أوراق المنافقين

من زاوية المراقب للوضع السعودي منذ بدء إعلان اليمن حظره البحري على الملاحة السعودية، لا يمكن فصل هذا الانتصار البحري التاريخي الاستراتيجي عن مجريات الميدان البري في جبهات الداخل اليمني، لقد كانت الرياض -وتحت وطأة الضربات البحرية والاقتصادية ونزيف أرامكو- تحاول جاهدة تحريك أدواتها المحلية من قوى المنافقين والتجمعات العسكرية التي مولتها وحشدتها على مدار سنوات العدوان، ظناً منها أن فتح جبهات داخلية قد يشغل القوات المسلحة اليمنية وقوات التعبئة الشعبية عن معركتها السيادية الكبرى في عرض البحر. لكن الاستراتيجية العسكرية لصنعاء كانت أسرع وأكثر حزماً، فبالتزامن مع محاصرة السفن في البحر الأحمر، كانت –ولاتزال- الصواريخ الباليستية اليمنية وسلاح الجو المسير ينفذان عمليات نوعية وقاصمة استهدفت بدقة غرف العمليات المشتركة، معسكرات التدريب، ومراكز القيادة التابعة للمنافقين في المحافظات المحتلة ومناطق التماس، أدت هذه الضربات الاستباقية المركزية إلى سحق تحشيدات العدو السعودي وتشتيت قواهم قبل أن يبدأوا أي تحرك ميداني،  وقد أدرك المنافقون -ومن خلفهم النظام السعودي- أن الرهان على الداخل هو رهان خاسر وانتحار عسكري محتوم، فاليد اليمنية التي تطهر البر من دنس العمالة هي ذات اليد التي تقبض على زناد الصواريخ البحرية ومندب الصمود.

على هامش هذه المواجهة الحاسمة تقول صنعاء إن سحق أوراق الداخل وجه رسالة واضحة للرياض: "إن أي محاولة للتصعيد البري عبر الأدوات ستواجه بردود زلزالية لن تتوقف عند حدود الجبهات، بل ستعمق جراح الاقتصاد السعودي المنهك أساساً من الحظر البحري"، وهي ديباجة شبه مستمرة الظهور في كل بيانات القوات المسلحة.

ومع اقتراب اليمنِ من فرضِ حصارٍ بحريٍ شاملٍ على الموانئِ السعودية، تبدو الرياضُ في سباقٍ مع الزمنِ لتشكيلِ تحالفاتٍ ترفضُ دولٌ أوروبيةٌ وحتى عربية عديدةٌ الانخراطَ فيها خشيةَ التورطِ في المستنقع اليمني، ما يمثل إقراراً دولياً غير مباشر بأحقية المطالب اليمنية من جانب، والخشية من ردة فعل اليمن من جانب أهم، كما أن صنعاء نجحت في تحويل تفوقها الجغرافي وخياراتها العسكرية إلى أوراق ضغط استراتيجية حاصرت بها دولة معتدية على اليمن منذ سنوات، وكانت تعتقد أن أموالها وقدراتها العسكرية قادرة على شراء الأمن وفرض الإملاءات. واليوم، بين موانئ سعودية غربية تشكو قلة السفن ونقاط شحن نفطية تبحث عن مسارات بديلة مكلفة، وبين جبهات داخلية تحولت إلى مقابر جماعية لأدوات العدوان ومشاريع استثمارية معطلة على السواحل؛ ينقل اليمنيون المعركة الى مستوى جديد لايقل أهمية عن معارك التحرير والاستقلال في سنواتها الخوالي، الحافلة بالتضحيات اليمنية والدروس الكافية لأن لا يكرر السعودي أخطاءه.