موقع أنصار الله . تقرير
تدخل المواجهة اليمنية - السعودية مرحلة جديدة تتجاوز في دلالاتها حدود العمليات العسكرية المتفرقة، لتلامس إعادة تشكيل قواعد الاشتباك ومسرح المواجهة برمته، فمنذ انتقال القوات المسلحة اليمنية إلى توسيع نطاق الرد على الاعتداءات والحصار، باتت الجغرافيا البحرية والساحلية والعمق الاقتصادي للخصم جزءاً من معادلة الردع، فيما أخذت محاولات الالتفاف على هذه المعادلة تواجه ضغطاً متزايداً في البحر وعلى امتداد الساحل الغربي السعودي. وفي قلب هذا التحول، تبرز معادلة "الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد"، فالقوات المسلحة اليمنية تتعامل مع استمرار العدوان السعودي على الموانئ والمطارات والمناطق اليمنية بكونه فعلاً عسكرياً يقتضي رداً مباشراً، وتقول إن إجراءاتها البحرية لا تستهدف حركة التجارة الدولية بصورة عامة، وإنما تستهدف السفن المرتبطة بالسعودية. هذه المعادلة، تضع الرياض أمام اختبار مختلف تماماً: كيف يمكنها مواصلة الضغط على اليمن، فيما أصبحت منشآتها الحيوية وحركة ناقلاتها البحرية ومراكز إمداد أدواتها العسكرية عرضة للتعطيل والاستهداف؟ والأهم من ذلك، أن السعودية تواجه اليوم كلفة باهظة ومتصاعدة على المستويات كافة: اقتصادياً من خلال استهداف منشآتها النفطية في أكثر من منطقة، ولوجستياً عبر الحظر البحري وارتفاع كلفة النقل والتأمين، وإنتاجياً عبر انحسار كمية الضخ من النفط، وعسكرياً عبر كلفة تدمير أدواتها وتحشيداتها في الداخل اليمني واستهداف تجمعاتهم ومخازن أسلحتهم. هذه الكلف المتشابكة تشكل معاً ضغطاً غير مسبوق على الاقتصاد السعودي وقدرته على تحمل استمرار المواجهة.
شكّل استهداف المنشآت النفطية السعودية -في أكثر من منطقة- جوهرَ الضغط الاقتصادي الذي تمارسه القوات المسلحة اليمنية، فمنذ اندلاع جولة التصعيد الأخيرة في يوليو 2026، تعرضت منشآت حيوية تابعة لشركة أرامكو في جيزان وينبع وبقيق لضربات متتالية بصواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيرة، حققت إصابات دقيقة ومباشرة وثّقتها صور الأقمار الاصطناعية وبيانات "ناسا فيرمس" التي أظهرت نشاطاً واسعاً للحرائق وامتدادها إلى خزانات إضافية. وفي 25 يوليو، نفذت القوات المسلحة عمليتين عسكريتين نوعيتين متزامنتين استهدفتا أهدافاً حساسة في جيزان وينبع، كانتا الأقوى منذ العام 2015. وفي 29 يوليو، طال الاستهداف بقيق وخطوط إمداد النفط الخام من شرق السعودية إلى ينبع، حيث كشفت صور الأقمار الاصطناعية لشركتي "سوار أطلس" و"سنتيل-2" عن أضرار في خزانات الغاز بمصفاة بقيق، مع ظهور أغطية تبريد بيضاء وسوداء فوق الخزانات للحد من امتداد الحرائق. ثم عاودت القوات المسلحة استهداف أرامكو جيزان في الـ10 من أغسطس وأدى الاستهداف إلى اندلاع الحرائق مجددا، ما أدى في نهاية المطاف إلى إعلان الرياض تمديد تعطيل المنشأة لفترة إضافية أطول تتعطل بموجبها قدرة المملكة على ضخ 400 ألف برميل من النفط بشكل يومي.
تمتد الكلفة في حجم الدمار المادي من المنشآت إلى ما هو أخطر: انحسار كمية الضخ من النفط. فاستهداف مراكز الإنتاج والتكرير وخطوط النقل يفرض على أرامكو خفض طاقتها الإنتاجية بشكل اضطراري. ويترجم انحسار الضخ مباشرة إلى خسائر يومية بالمليارات، خاصة مع التزام السعودية بحصصها التصديرية والتزاماتها التعاقدية مع الشركاء الدوليين. وكل يوم تمر فيه منشآت الطاقة تحت التهديد يمثل نزيفاً اقتصادياً متواصلاً يضاف إلى فاتورة الحرب التي تراكمت على مدى أكثر من عقد.
والأخطر من ذلك أن هذه الضربات لم تعد حدثاً استثنائياً، بل تحولت إلى نمط متكرر يفرض على الرياض إعادة حساب كل معادلاتها الاستثمارية في قطاع الطاقة، ويجعل رهانها على استقرار هذا القطاع كمحرك أساسي لاقتصادها ورؤيتها المستقبلية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
أحد أبرز التحولات في المشهد يتمثل في انتقال المواجهة من محاولة فرض الحصار على اليمن إلى امتلاك القوات المسلحة اليمنية القدرة على التأثير في حركة الشحن المرتبطة بالسعودية، فمنذ إعلان حظر الملاحة البحرية على السفن السعودية في 20 يوليو 2026، دخلت المعادلة البحرية مرحلة جديدة كلياً.
تشير الإحصائية المعلنة إلى استهداف 10 سفن نفطية سعودية بصورة مباشرة، بدءاً من السفينتين "إنسيليا" و"ليلى" في 22 يوليو، مروراً بالناقلة "إن سي سي غزال" في 28 يوليو، و"وفاء" شمالي البحر الأحمر في 5 أغسطس، وانتهاءً بالسفينة "ديزي" والسفينة "تهامة" في خليج عدن. وتمكنت القوات المسلحة من إجبار عشرات السفن على التراجع والعودة دون الحاجة إلى استهدافها.
تكمن أهمية هذه التطورات في أنها لا تقاس فقط بعدد السفن المستهدفة، وإنما بما تفرضه من كلفة إضافية على النقل والتأمين والزمن والمسافة، وما تسببه من ارتباك في سلاسل الإمداد، فضلاً عن اضطرار الشركات المالكة للسفن إلى إعادة حساب المخاطر قبل اتخاذ قرار الإبحار في مسارات ترتبط بالموانئ والمنشآت السعودية. ومنذ بدء العمليات البحرية اليمنية، قفزت أقساط التأمين البحري على السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية أو الخارجة منها إلى مستويات قياسية، فشركات التأمين العالمية تتعامل مع منطقة البحر الأحمر وخليج عدن كمنطقة حرب عالية المخاطر، ما يستدعي أقساطاً إضافية باهظة تصل في بعض الحالات إلى أضعاف القيمة الأصلية.
هذه الكلفة لا تتحملها شركات النقل البحري وحدها، بل تنعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات في السوق السعودية، وعلى قيمة الصادرات السعودية في الأسواق العالمية، حيث يضطر المشترون إلى البحث عن مصادر بديلة أقل مخاطرة، أو المطالبة بخصومات تعادل ارتفاع كلفة التأمين.
كان الرهان على خطوط الإمداد البديلة والمسارات البحرية الأخرى أحد الخيارات التي يمكن أن تلجأ إليها الرياض لتقليل أثر الضغط على حركة صادراتها، غير أن توسيع نطاق الرد اليمني ليشمل شمال البحر الأحمر جعل هذه الخيارات أكثر تعقيداً وتكلفة. فحين تضطر السفن إلى تغيير مساراتها من البحر الأحمر إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، تتحول المسألة من مجرد تغيير جغرافي إلى زيادة هائلة في كلفة النقل ومدة الرحلة واستهلاك الوقود وأعباء التأمين. فرحلة السفينة التي كانت تستغرق أياماً عبر البحر الأحمر وقناة السويس تتحول إلى أسابيع عبر المحيط الأطلسي، بما يعنيه ذلك من ارتفاع في فاتورة التشغيل وتأخير في وصول الشحنات وارتباك في سلاسل الإمداد.
وبذلك يصبح تأثير المعادلة اليمنية أوسع من الضربة المباشرة؛ إذ يكفي أحياناً رفع مستوى المخاطر حتى تبدأ الشركات والمشغلون باتخاذ قرارات احترازية، وهو ما يحول البيئة البحرية ذاتها إلى عنصر ضغط اقتصادي واستراتيجي، ومن هنا يمكن فهم الرهان اليمني على الجمع بين الردع العسكري والضغط الاقتصادي: فالأول يرفع تكلفة المخاطرة، والثاني يوسع آثارها على حركة التجارة والطاقة.
لم تقتصر الكلفة السعودية على البحر والمنشآت النفطية، بل امتدت إلى أوراقها العسكرية في الداخل اليمني، فبعد أن تمكنت القوات المسلحة من إنهاك العدو السعودي وبعد أن تبين عجزه عن اتخاذ أي خيارات عسكرية واسعة، بادرت إلى إحراق ورقة الأدوات وذلك بتسديد ضربات منكلة لتحشيداتهم وآلياتهم العسكرية ومخازن أسلحتهم على امتداد كافة الأراضي اليمنية.
كانت البداية من العبر في حضرموت في 6 أغسطس، حيث استهدفت القوات المسلحة تحشيدات العدو السعودي في مناطق الرويك والعبر والثنية وتحشيدات عسكرية أخرى تابعة لما يسمى الفرقة الأولى والثالثة طوارئ بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وكانت الخسائر كبيرة: مصرع وإصابة المئات من جنود وضباط العدو السعودي وأدواته، تدمير وإحراق عدد كبير من المعسكرات والتحشيدات ومخازن الأسلحة في منطقة الوديعة شرقي البلاد، وتدمير عدد كبير من الآليات العسكرية المتواجدة في المعسكرات المستهدفة.
وفي اليوم التالي، سارعت القوات المسلحة إلى الفتك بتجمعات وآليات العدو السعودي وتحشيداته في معسكر "صحن الجن" في محافظة مأرب، وهو الوكر الذي طالما انطلقت منه أغلب العمليات العسكرية العدوانية طوال الفترة الماضية.
في الساحل الغربي، وفي 9 أغسطس، وجهت القوات المسلحة ضربة مسددة استهدفت تحشيدات العدو السعودي ومخازن أسلحته في منطقة المخا، وكانت الإصابة دقيقة، أدت إلى تدمير واسع في المعدات والأسلحة ومصرع وإصابة العشرات بينهم سعوديون.
وفي 11 أغسطس، عاودت القوات المسلحة استهداف تحشيدات العدو السعودي ومخازن أسلحته ومقار قياداته في منطقة المخا ومعسكر تداوين في محافظة مأرب، بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وكانت الإصابات دقيقة وخلفت عشرات القتلى والجرحى بينهم سعوديون.
تكمن أهمية ضربة المخا في موقعها الجغرافي الاستثنائي، فهي تقع بالقرب من باب المندب، وعلى مقربة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فالميناء يبعد نحو 40.5 ميلاً بحرياً عن مضيق باب المندب، فيما تفصله عن ممر الملاحة الدولية مسافة تقدر بنحو 3.2 أميال بحرية. هذه الأرقام تكشف جوهر المسألة: السيطرة على منشأة بهذه المواصفات أو استخدامها عسكرياً لا يمكن النظر إليه بمعزل عن أمن باب المندب وحركة الملاحة في البحر الأحمر.
هذه الضربات المتتالية تمثل كلفة عسكرية مباشرة وضخمة على السعودية، فبناء هذه المعسكرات وتجهيزها وتسليح المقاتلين فيها وتدريبهم ودفع رواتبهم، كلها استثمارات ضخمة راكمتها الرياض على مدى سنوات، وضربات من هذا النوع لا تدمر المعدات والأسلحة فحسب، بل تدمر البنية التحتية للمعارك القادمة، وتفرض على السعودية البدء من الصفر في أي محاولة لإعادة ترتيب أدواتها.
والأخطر من ذلك أن هذه الضربات تحمل رسالة استراتيجية واضحة: لا يوجد مكان آمن للأدوات السعودية في اليمن، مهما حاولت الرياض تغيير مواقعها أو إعادة توزيعها، فالقدرات الاستخباراتية اليمنية قادرة على رصد التحركات وتحديد الأهداف بدقة، وتحويل أي تجمع أو مخزن أسلحة إلى هدف مشروع للضرب.
تكشف عمليات من هذا النوع أن المعركة الحديثة لا تبدأ لحظة إطلاق الصاروخ، وإنما قبل ذلك بكثير، فالاستهداف الدقيق لأي منشأة عسكرية أو لوجستية يتطلب معلومات عن طبيعة الموقع، ومخازنه، ومرافقه، وحركة الأفراد والمعدات داخله، فضلاً عن توقيت الضربة وتحديد الأهداف ذات القيمة الأعلى.
ومن هنا تأتي أهمية القدرات الاستخباراتية التي طورتها القوات المسلحة خلال السنوات الماضية، فكلما اتسعت قدرة الرصد وجمع المعلومات، تحولت القوة النارية من وسيلة ضرب عشوائي إلى أداة لاستهداف العقد الأكثر أهمية في شبكة الخصم اللوجستية، وهذه النقطة تحديداً هي التي تجعل معركة الساحل الغربي مختلفة عن مجرد مواجهة بين وحدات عسكرية متقابلة: فالساحل يمثل شبكة مترابطة من الموانئ والطرق ومراكز الإمداد ومناطق التجميع، وأي خلل في إحدى حلقاتها يمكن أن ينعكس على بقية المنظومة. وبالتالي، فإن استهداف مركز لوجستي لا يعني بالضرورة تدمير منشأة فقط؛ وإنما يعني تعطيل سلسلة كاملة من عمليات النقل والإمداد والتحشيد.
ما يجري لا يمثل مجرد جولة جديدة في المواجهة اليمنية السعودية، وإنما محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك، ففي المرحلة السابقة كان الرهان لدى خصوم اليمن قائماً على إمكانية إبقاء الحرب داخل الجغرافيا اليمنية، مع استخدام الحصار والضغط الاقتصادي واستهداف الموانئ والمطارات كوسائل لإجبار اليمن على تقديم تنازلات. أما المعادلة التي فرضتها القوات المسلحة اليوم فتقوم على مبدأ مختلف: كل ضغط على اليمن ستكون له كلفة مقابلة على الطرف الذي يمارسه، وكل استخدام للجغرافيا اليمنية لخدمة عمليات عسكرية سيجعل هذه الجغرافيا نفسها جزءاً من بنك أهداف الردع، وهنا تتقاطع الضربات البحرية مع ضربات أدوات العدوان في معادلة واحدة: استهداف السفن المرتبطة بالسعودية يضغط على حركة الطاقة والنقل، بينما استهداف المنشآت المستخدمة عسكرياً في الداخل اليمني يضغط على شبكة الإمداد والتحشيد، وبين الاثنين تتشكل معادلة تجعل استمرار الحرب أكثر كلفة بالنسبة إلى الطرف الذي يراهن على الحصار والضغط.
تمكنت القوات المسلحة من إغلاق كل منافذ الالتفاف على الحظر البحري، فحين حاولت الرياض تحويل مسار سفنها النفطية من باب المندب جنوبي البحر الأحمر إلى شماله، استهدفت القوات المسلحة سفينة "وفاء" النفطية السعودية أمام منطقة ينبع في 5 أغسطس، مؤكدة أن عملياتها ستستمر وتتصاعد شمالي البحر الأحمر لإغلاق المنافذ كافة على العدو السعودي ومنعه من العبور. وحين حاولت السفن السعودية المرور عبر خليج عدن، استهدفت القوات المسلحة سفينة "ديزي" النفطية السعودية في اليوم ذاته بصاروخ باليستي حقق إصابة مباشرة، وأجبرها على العودة. كما أغرقت القوات المسلحة سفينة "تهامة" في باب المندب، وبهذا أثبتت صنعاء أنها ترصد بدقة كل تحركات السفن السعودية النفطية، ولن تسمح بمرور أي سفينة -سواء من جنوب البحر الأحمر أو من شماله- حتى تتم تلبية المطالب المحقة، ويرفع الحصار عن اليمن.
المشكلة التي تواجه الرياض لا تتعلق فقط بما إذا كانت قادرة على تحمل ضربة عسكرية إضافية، وإنما بما إذا كانت قادرة على الحفاظ على نموذج الحرب نفسه، فالحرب التي يمكن تمويلها عسكرياً قد تصبح أكثر تعقيداً عندما تمتد آثارها إلى النقل والطاقة والتأمين والموانئ والاستثمار وسلاسل الإمداد.
ومن هنا تبرز المفارقة، فكلما توسعت الرياض في استخدام أدوات الضغط على اليمن، ازدادت احتمالات اتساع دائرة الرد، وكلما حاولت إعادة ترتيب أدواتها في الداخل اليمني، ظلت تلك الأدوات مرتبطة بجغرافيا مكشوفة أمام قدرات الرصد والاستهداف.
أما الحديث عن الحماية الأمريكية فيبقى أمام اختبار الواقع العملي، فالدعم السياسي والعسكري الأمريكي لا يلغي قدرة اليمني على رفع كلفة الحرب، ولا يستطيع إجبار الشركات التجارية على تجاهل المخاطر أو منع السفن من تغيير مساراتها، وهنا تصبح المسألة أكبر من مواجهة بين صنعاء والرياض؛ إنها مواجهة حول من يملك القدرة على فرض قواعد الحركة في هذه الجغرافيا الحيوية.
الوعود الأمريكية بالحماية أمام اختبار عملي شديد القسوة، فالمظلة الأمريكية -مهما بلغت قدراتها العسكرية- لا تستطيع إلغاء أثر الجغرافيا اليمنية، ولا منع السفن والشركات من اتخاذ قراراتها بناءً على تقديرات المخاطر، وبالتالي فإن القضية تتعلق الآن بقدرة الولايات المتحدة على إعادة إنتاج بيئة ملاحة آمنة ومستقرة اقتصادياً للسفن المرتبطة بالسعودية، وهذا مستحيل إذا لم يتم الاستجابة للمطالب اليمنية.
من البحر الأحمر إلى باب المندب، ومن السفن النفطية إلى معسكرات الأدوات في الداخل، تبدو التطورات الأخيرة مترابطة في سياق واحد، القوات المسلحة تريد نقل المعركة من مساحة رد الفعل إلى مساحة فرض الكلفة. وإذا كانت الرياض تراهن على تبديل الأدوات والواجهات وإعادة توزيع النفوذ بين الأدوات، فإن الرسالة اليمنية التي حملتها العمليات الأخيرة تقول إن معيار المواجهة لن يكون اسم الفصيل أو الجهة الراعية، وإنما طبيعة الدور الذي يؤديه على الأرض، فالمنشأة التي تُستخدم لأغراض عسكرية ستُعامل كمنشأة عسكرية، والسفينة المرتبطة بالجهة المستهدفة ستدخل ضمن نطاق الحظر المعلن، بينما تبقى حركة التجارة الدولية خارج دائرة الاستهداف.
وهكذا تنتقل القوات المسلحة اليمنية من محاولة كسر الحصار المفروض إلى فرض معادلة مقابلة تجعل استمرار الحصار مكلفاً على من يفرضه. إنها معادلة تقوم على إعادة توزيع كلفة المواجهة: لا حصار بلا ثمن، ولا إعادة ترتيب للأدوات قادرة على تجاوز قوة الردع اليمنية.
السعودية اليوم تواجه حقيقة استراتيجية مؤداها أن الحرب التي بدأتها بهدف تطويق اليمن وفرض شروطها عليه، تحولت إلى عبء اقتصادي وعسكري متزايد يهدد مصالحها الحيوية في الطاقة والملاحة والتجارة، فالمنشآت النفطية التي تشكل عماد الاقتصاد السعودي أصبحت في مرمى النيران، والسفن التي تحمل صادراتها أصبحت أهدافاً مشروعة للاستهداف، وأدواتها العسكرية في الداخل اليمني تتعرض لضربات متتالية تكبدها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. وفي النهاية، فإن المعركة التي بدأت بمحاولة تطويق اليمن تتجه -وفق مسار الأحداث- إلى سؤال مختلف تماماً: من يملك القدرة على فرض قواعد المواجهة، ومن يملك القدرة على تحمل كلفتها عندما تتسع دائرتها؟
وهنا -تحديداً- تحاول القوات المسلحة اليمنية أن تقول كلمتها: تغيير الواجهات لا يغير المعادلة، ومحاولات الالتفاف لا تكسر الحصار ما دامت القدرة على الردع قائمة وقادرة على الوصول إلى نقاط الضغط الأكثر حساسية. فهل تستوعب الرياض الدرس قبل أن تتفاقم الكلفة إلى مستويات أكبر؟ أم أنها مستمرة في رهانها الخاسر على الحصار والضغط، متجاهلة حق الشعب اليمني في أن يعيش بكرامة بعيدة عن الإملاءات السعودية؟ وهذه عوامل لا يمكن إلغاؤها بالقوة أو الالتفاف عليها بالمناورات.