ليس هناك مخلوق على وجه هذه الأرض أعظم ولا أفضل درجةً من أن نُذكّر به ونفتخر بعهده من رسول الله محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ فديننا الإسلامي هو نعمة الهداية الكبرى، التي مَنّ الله بها على البشرية، وما جاء به البشير النذير من قرآن وكتاب مبين قد غيّر وجه البشرية من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى في زمن قياسي لم يتجاوز ثلاثة وعشرين عامًا.
ونحن أبناء اليمن، أهل الإيمان والحكمة، نحب من أحبه الله ونعظم مقامه، ونحرص على أن يكون شهر ربيع الأول من كل عام ربيعًا يمانيًا خالصًا يفيض بالإيمان، ويحتفي فيه الصادقون بالرسالة الخاتمة وبالكتب والرسل، مستمسكين بما تنزل في كتاب الله، ومستغربين ممن يُجرمون هذه الفعالية الإيمانية ويُصنفونها في دائرة البدع والضلال، في حين يُفتح المجال في أماكن أخرى للمراقص وللهو والغناء الماجن واستضافة ما ينافي قيم الدين والعقيدة.
الاحتفاء بمولد المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- لا يتنافى مع الإسلام ولا يخالف آيات القرآن الكريم، بل إن التعجب يشتد من نقد هذه المناسبة الشريفة بناءً على اجتهادات وتأويلات فقهية تاريخية، كأدبيات "ابن تيمية وابن عثيمين"، والتي اعتمدت عليها بعض التيارات وتجاهلت المحكم من كتاب الله، ما تسبب في تمزيق صف الأمة وإشغالها بالصراعات البينية بدلاً من توجيه طاقاتها وجهادها لمواجهة أعدائها الحقيقيين.
وقد حثنا الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه قائلاً: {كُنتُمْ خَيْرَ أَمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}؛ فكيف يُصبح التذكير برسول الله والابتهاج بنعمته أمرًا مستنكرًا؟
أفلا يعلم أصحاب الطرح المتطرف وضيق الأفق أن اسم رسول الله يتردد في الآفاق مع كل أذان، ويُلهج به في كل إقامة وتأدية للصلاة وفي كل تشهد؟ إن السخط على فعالية المولد النبوي الشريف يعكس مرضًا حزبيًا وطائفيًا خطيرًا؛ إذ كيف يجتمع في قلب واحد حبٌّ لرسول الله وبغضٌ لمن يُظهر ويرفع معالم هذا الحب؟ فالقلب لا يتسع لنقضين، كما قال تعالى في كتابه، وما هذا الانقسام إلا ثمرة من ثمار الغزو الفكري الذي عمل عليه أعداء الأمة لتشتيت جهودها وإبعادها عن سر قوتها وهويتها الأصيلة.
ولو أمعن المرء النظر في التناقض المعاش، لوجد أن احتفالات الأمم الأخرى بذكرى أيام مواليد أنبيائها أو رموزها الدينية لا تقابل بأيّ هجوم أو تجريم من أولئك الذين ينصبون أنفسهم أدعياء للدين، بينما تُصب جام غضبهم وسهام خطبهم على فعاليات الاحتفاء بذكرى مولد سيد الخلق.
وتتضاعف المفارقة حين تُصوّر القضايا الخلافية الإسلامية وكأنها الخطر الأكبر، فيُقدّم الخلاف مع الشيعة أو إيران على مواجهة الخطر الصهيوني الأمريكي والإسرائيلي، وذلك بنتيجة القراءات الضيقة التي قدمت المرويات والاجتهادات على التوجيه القرآني الجامع، متجاهلين قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.