شهدت شواطئ الخليج العربي طفرة اقتصادية نفطية، رافقتْها طفرة سياسية، نشأت على أثرها ممالك ودويلات ومشيخات، صهيونية الهوى والهوية، معلنةً عن توجهات عبرية بألسنة عربية، قائمةً على خدمة المشروع الصهيوني، كلٌّ من خلال الدور المناط به، من قِبَل صاحبة التاج اليهودي، مملكة "صهيون" البريطانية، التي وزعت الأدوار بين تلك الكيانات الوظيفية الطارئة، بعدما جمعتْها تحت إدارة الشقيقة الكبرى، تحت مسمى "مجلس التعاون الخليجي".

وبذلك تحققت لمملكة آل سعود الزعامة السياسية على الكيانات الوظيفية العميلة، الحاكمة لممالك الخليج بأكملها، تمهيداً لتحقيق الزعامة السياسية على الوطن العربي والإسلامي بأكمله.

وهي التي طالما نافست مصر "جمال عبد الناصر" على تلك الزعامة، حتى إنها تآمرت ضد مصر "قيادةً وقائداً وشعباً"، وظنت أن إزاحة جمال عبد الناصر ستخلي لها موقع الزعامة القومية العربية؛ لأنها ترى أنه ليس هناك من هو أولى بها منها.

لكنها سرعان ما سقطت في مستنقع الخيبة؛ لأن موت جمال عبد الناصر كشف عدم صلاحيتها لتولي زعامة الأمة العربية خلفاً له، وأنها أصبحت أبعد ما تكون عن بلوغ ذلك، خاصة في ظل اعتناقها عقيدة التطرف، وانتهاجها عداء الآخر مطلقاً، وتكفيره وقتله، وهو ما يتعارض مع الأيديولوجيا القومية ونهجها المنفتح على مواكبة مسار التطور النهضوي.

وأصبحت مملكة ابن سعود الصهيونية الأصولية الراديكالية موضع سخرية واستهجان جمعي، بسبب طموحها الزائد عن حجمها وتاريخها، وتناقضاتها الحادة التي بلغت حد الانفصام (الشيزوفرينيا) المتقدمة.

فـ"عبد الناصر" -الذي كفرته بالأمس، واتهمته بمحاربة الإسلام والسعي لهدم الكعبة، بهدف إسقاطه سياسياً وقومياً والاستيلاء على عرش الزعامة العربية- قد أسقطها حياً وميتاً، وأثبت عدم أهليتها لتلك الزعامة؛ لذلك لجأت إلى الانتقام من مشروعه.

ورغم ما بذلت من أموال طائلة وجهود هائلة، واستغلال غادر وخبيث للمنبر الديني، وتسخيرها لفقهاء البلاط لتحويل الحرمين الشريفين إلى منبر سياسي تقود من خلاله معاركها السياسية، وتنفذ عبره نهجها العدائي ومشاريعها الانتقامية ضد خصومها من قادة وشعوب العرب والمسلمين، الذين تناصبهم العداء بدافع من الحسد والأحقاد الناتجة عن عقدة الشعور بالنقص وغيرها من الأمراض والعقد النفسية، أو بدافع مباشر من الحليف الصهيوني الغاصب، أو غير مباشر من الوسيط الأمريكي الإمبريالي.

وعلى ذات النهج العدائي المرضي، تعاملت مملكة ابن سعود الصهيونية مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين ونظامه، رغم التعارض الأيديولوجي بينهما، واختلاف مبادئ ومرتكزات المشروع السياسي والنهج التطوري الحضاري لكل منهما، وشتان ما بين السيادة في المنظور العراقي والتبعية والخضوع في المنظور السعودي. ورغم اقتراب قومية صدام البعثية من قومية عبد الناصر الاشتراكية النهضوية إلى حد كبير، إلا أن النظام السعودي الوضيع الوظيفي، بمرجعيته التكفيرية ونهجه الدموي، كان أقرب إلى قومية العراق التقدمية فيما يتصل بجانب عقدة "الأنا" المتعالية، الطامحة إلى الزعامة القومية، التي جمعت بينهما على مبدأ والهيمنة والقوة والتسلط.

ورغم اصطدام النزعة التسلطية "الصدامية" والسعودية على محور طموح الزعامة، إلا أن الأخير تنازل عن طموحه مؤقتاً للأول، مبدياً قبوله به وانفتاحه عليه وارتياحه له، مُسبغاً عليه من الصفات والألقاب ما يرضي غروره ويعزز شعور التفوق المطلق ويشبع نزعة الزعامة في أعماقه؛ مثل: "صقر العرب"، و"ضمير الأمة"، و"حارس البوابة الشرقية"، و"قائد قادسية العرب"، وغيرها من الألقاب التمجيدية المبالغ فيها.

لكن النظام السعودي -الباحث عن المجد والزعامة- لم يصوب منابر التكفير والبهتان نحو منافسه الجديد، ما دامت تلك هي رغبة كيان العدو الإسرائيلي الغاصب، الذي رأى في مرض الزعامة "الصدامي" ما يمكن استغلاله لخدمة وحماية المشروع الصهيوني الإسرائيلي من خطر الثورة الإيرانية ومشروعها الإسلامي القرآني، ونهجها السياسي المجسد لمسؤوليتها الدينية في نصرة المستضعفين ودعم مشاريع التحرر ضد قوى الهيمنة والتسلط والاستكبار، وفي مقدمتها أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي.