كشفت جولات التصعيد الأخيرة في البحر الأحمر والإقليم عن تحول لافت في إدارة القوى الكبرى لصراعها مع اليمن؛ فبينما آثرت واشنطن وكيان العدو الإسرائيلي تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة ومفتوحة بعد أن أثبتت وقائع الميدان وتجارب الاشتباك أنها غير مجدية وتفتقر إلى جدوى الحسم، برزت مفارقة سياسية تدفع بالنظام السعودي مجددًا إلى صدارة مشهد الخسائر المتراكمة.

وفي وقت تتقن فيه العواصم الغربية فن "إعادة التموضع" وتعديل المسارات وفق موازين الربح والخسارة، تبدو السياسة السعودية في اليمن أسيرة عجز بنيوي عن مراجعة التموضع أو امتلاك قرار الانعطاف، لتواصل تحمّل تركة باهظة من التداعيات الاستراتيجية والاقتصادية والإنسانية بالوكالة.

هذا المأزق الخارجي ليس سوى الوجه الآخر لفشل بنيوي أعمق في إدارة الداخل اليمني، فعوضًا عن بناء تحالفات سياسية متماسكة يمكنها تأمين حزام أمني أو سياسي مستقر، اتجهت الرياض نحو تفكيك ما تبقى من المنظومة السياسية اليمنية الهشة أصلًا، وبدلًا من إسناد القوى الموالية لها وفق تحالفات مبدئية ترتكز على المصالح المشتركة واحترام السيادة لترميم تصدعات الجدار الداخلي، تعاملت معها كتابعين وأدواتٍ وظيفية مسلوبة الإرادة ومقوضة القرار.

لقد استثمرت الإدارة السعودية طويلًا في نقاط ضعف هذه القوى حتى استنزفتها وجردتها من حضورها وثقلها الجماهيري، لتبلغ ذروة ذلك في تجريف الفاعلين السياسيين التقليديين لحساب تشكيلات وفصائل ميليشياوية مرتهنة كليًا لمركز التمويل، وتتقاسمها حساسيات مناطقية وأيديولوجيات متطرفة تفتقر لأي أفق وطني.

أفرزت هذه السياسة المزدوجة انسدادًا سياسيًا محكمًا؛ فالطرف الذي افتقر إلى مرونة حساب المخاطر والفرص إقليميًا، تعمّد خلق فراغ داخلي أجهز على أي حضور لقوى وطنية قادرة على بناء الشراكة الداخلية، أو إدارة التفاوض، أو امتلاك ناصية القرار السيادي.

وتحول المشهد عمليًا إلى تفخيخ نسيج اليمن السياسي والمجتمعي بتعقيدات وألغام بنيوية تُكرّس تفكك الدولة على المدى البعيد، وتجعل من مسارات التعافي الوطني مهمة شاقة تستنزف أجيالًا قادمة.

في المقابل، تقف القيادة الوطنية في صنعاء في خط المواجهة المباشر مع هذه المشاريع مجتمعة؛ إذ لا تدير المعركة باعتبارها طرفًا في نزاعٍ داخلي مفتعل، بل كحاملٍ لمشروع سيادي جامع يتصدى لمخططات التفكيك والارتهان التي تقودها واشنطن وتنفذها الرياض.

لقد استطاعت صنعاء، عبر التمسك بالثوابت الوطنية وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، أن تقدم نموذجًا مناقضًا لبيئات الفوضى وتفريخ الميليشيات التي أفرزتها سياسات التحالف في المناطق الأخرى، مثبتةً أن حماية النسيج المجتمعي واستقلالية القرار هما حجر الزاوية في إفشال استراتيجيات التمزيق.

ولم يقتصر هذا الصمود على تثبيت الجبهة الداخلية وتفكيك ألغام الفتن الأيديولوجية والمناطقية، بل تجاوزها إلى فرض معادلات اشتباك استراتيجية غير مسبوقة.

فمن خلال ربط المظلومية الوطنية بالقضايا المصيرية للأمة — وعلى رأسها القضية الفلسطينية — وفرض قواعد ردع حاسمة في البحرين الأحمر والعربي، أثبتت صنعاء عجز الخيارات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وأعادت رسم التوازنات الإقليمية لصالح استقلال القرار اليمني.

إن مواجهة هذه الأجندات المتشابكة تضع صنعاء اليوم في موقع الفاعل الاستراتيجي الذي لا يكتفي بإسقاط رهانات الاستنزاف والوكالة، بل يقود معركة تحررية مركّبة؛ غايتها استعادة السيادة الكاملة، وفرض شراكة وطنية حقيقية لا مكان فيها للوصاية، وقطع اليد الخارجية التي تسعى لتحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة لتصدير الأزمات.

فيما يتطابق عجز صانع القرار في الرياض عن بلورة استراتيجية خروج ذاتية مع إخفاقه في بناء بيئة مستقرة جنوب حدوده؛ لقد أراد للجغرافيا اليمنية معالجة شظايا انقسام لا تقتصر ارتداداته على استقرار اليمن فحسب، بل تضع وجود النظام السعودي ذاته والأمن الإقليمي برمته أمام كلفة وجودية باهظة.