اثنا عشر عامًا كاملة من الحصار المطبق والوجع الممتد، لم تكن مجرد أرقام تُطوى في سجلات الذاكرة، بل كانت ملحمة سطرها الشعب اليمني بدمائه وصبره.
سنوات طويلة من العدوان الذي قاده النظام السعودي، بدعم مباشر وغطاء سياسي وعسكري عابر للقارات من أمريكا وبريطانيا والكيان المحتل، استهدفت إخضاع شعب كامل ومحو هويته، غير أن هذه الجرائم التي تجاوزت كل الأعراف الإنسانية لم تخلُ من درس استراتيجي قاسٍ لكل من راهن على سحق إرادة اليمنيين؛ فقد ارتد السحر على الساحر، وانقلبت طاولة المعتدين لتتحول إلى ركام من الخيبات الاستراتيجية.
لم تأتِ العمليات التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية من فراغ، وإنما وُلدت من رحم الضرورة القصوى لرفع الظلم التاريخي والحصار الغاشم الذي أمعن في تجويع ملايين الأبرياء، وقد أثبتت المؤسسة العسكرية اليمنية، رغم شح الإمكانيات وحصار البر والبحر والجو، قدرة على التطوير والتحديث الذاتي، ناقلةً المعركة من مربع الدفاع المنهك إلى مربع الهجوم الاستراتيجي وفرض المعادلات.
ولم يعد حصار الموانئ ومقدرات الشعب أمرًا يمر دون ثمن باهظ؛ إذ بات العمق الاستراتيجي لمنظومة العدوان وأدواته الاقتصادية في مرمى صواريخ الردع والمسيرات الاستراتيجية، في رسالة واضحة لا تقبل التأويل، فمن يحاصر اليمن سيحترق بنيران أزماته.
واليوم، يقف المتابع للمشهد على أطلال مشروع استكباري متهاوٍ؛ فالنظام السعودي وحلفاؤه الغربيون يواجهون مأزقًا تاريخيًا لا مخرج منه، وكل صفقة سلاح وكل غطاء سياسي وفرته أمريكا والكيان المحتل تهاوى أمام صخرة الثبات اليمني.
لقد سقطت الهيمنة الاستخباراتية بشكل مدوٍّ، حيث عجزت أحدث المنظومات الدفاعية الغربية عن التصدي للمقدرات العسكرية اليمنية المتطورة، مما أسقط هيبة السلاح الأمريكي والبريطاني في أسواق التصدير العالمية، وبالتوازي مع ذلك، باتت الرياض وحلفاؤها يتجرعون مرارة الاستنزاف المستمر، عاجزين عن حماية أمنهم الاقتصادي والملاحي أمام إرادة شعب قرر انتزاع حقوقه بحد السيف والساعد الأبيض.
إن التأييد المطلق والشعبي العارم لهذه العمليات يعبر عن وعي جمعي أدرك أن الحق ينتزع انتزاعًا، و إن العالم بأسره يرى اليوم كيف تحولت اليمن من ساحة مستباحة لمشاريع الهيمنة إلى قوة إقليمية فاعلة تعيد صياغة أمن البحر الأحمر وباب المندب وفق شروط كرامتها الوطنية.
إنّ التاريخ لا يرحم المعتدين، والسنوات الاثنتا عشرة الماضية ستظل شاهدة على صمود شعب لم يركع إلا لخالقه، وعلى سقوط مدوٍّ للطغاة والداعمين لهم. ويبقى اليمن، بقواته المسلحة وشعبه الأبي، الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة الجديدة.