موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي

سقوط سعودي آخر يتهاوى على عتبات الإفلاس السياسي المتأصل، ينُم عن عقم التقدير وغياب تام للحنكة السياسية والبصيرة الاستراتيجية؛ يتمثل هذه المرة في لغة تهديد رعناء تستهدف القبائل اليمنية العريقة. هذا الفصل العبثي والتعامل مع القبائل كمجتمع منفصل بذاته، ليس سوى تعبير مكشوف عن نوايا خبيثة ودفينة لضرب الجبهة الداخلية لمجتمع عظيم أذهل العالم بأسره بصلابته وثباته الأسطوري في وجه كل الأعاصير والعواصف العاتية التي افتعلها التحالف السعودي-الأمريكي ضد اليمن وأرضه وإنسانه.

لم يكن هذا السلوك سوى مرآة ناطقة تعكس بوضوح تام شعور المعتدي الحارق بالفشل الذريع أمام صخرة الصمود اليماني؛ فعلى مدى اثني عشر عاماً من القتل الممنهج، والحصار الغاشم، والتضييق المعيشي المستمر، عجزت آلة العدوان بكل جبروتها عن صناعة تمرد داخلي أو إحداث أي تفكك في النسيج الاجتماعي اليمني الأبيّ والمتلاحم. وبدلاً من أن يجني المعتدي السعودي ثمار أوهامه، لا يزال يتلقى الصفعات اليومية المتجددة في لقاءات ووقفات قبلية مسلحة عارمة، تتجاوز تشنجاته، وتؤكد -جهاراً نهاراً- الاستمرار والثبات في مسيرة التحرر، والالتفاف المطلق حول القوات المسلحة الباسلة، وتفويض القيادة الثورية الحكيمة باتخاذ ما يلزم من خطوات مصيرية على طريق استعادة كامل الحقوق المسلوبة والمشروعة.

عمود فقري لا يُدجن ولا يُكسر

لا شك في أن الحديث عن تصنيف التجمعات القبلية -المسلحة منها وغير المسلحة، أهدافاً عسكرية يمثل نقطة بالغة الخطورة، وخطوة وصفها كثير من المراقبين بالرعناء والعمياء، إذ تعكس فهماً قاصراً للغاية، ومنهجية معدومة البصيرة حيال طبيعة البنية الاجتماعية والتاريخية العميقة والفريدة للمجتمع اليمني عبر العصور. فلم تكن القبيلة اليمنية في أي مرحلة من مراحل التاريخ الطويل مكوّناً طارئاً قابلاً للتدجين أو الإخضاع عبر لغة الوعيد والتهديد الأجوف، ولم تكن يوماً ورقة تفاوض رخيصة تُساق في هجير الأطماع الإقليمية أو الدولية، بل ظلت دائماً وأبداً العمود الفقري الصلب والركيزة الأساسية العميقة لصرح النسيج الوطني والاجتماعي المتماسك. وحين يتجه النظام السعودي نحو تهديد هذا المكوّن التاريخي الأصيل، فإنه إنما يرتكب خطيئة استراتيجية كبرى تمس -بشكل مباشر- الوجدانَ الجمعي للأمة اليمنية قاطبة بكل مكوناتها وأطيافها.

وتثبت التجربة التاريخية أن كل محاولات كسر إرادة القبيلة، أو فرض معادلات الاستسلام والخنوع عليها، كانت باستمرار تصطدم بصخرة صلبة من العزم والأنفة والرفض المطلق لأي وصاية أجنبية أو هيمنة خارجية مهما كانت قوتها. والفهم القاصر لطبيعة المجتمع القبلي اليمني إنما يكشف -بوضوح- محدودية القدرة لدى أطراف العدوان على قراءة الواقع اليمني بشكل صحيح وسليم، وعمى البصيرة لديهم عن إدراك حقيقة أن "العُرف القبلي" ليس مجرد ظاهرة طارئة يمكن تصفيتها بقرار فوقي أو بيان باهت، وإنما هو عقيدة أصيلة وضاربة الجذور في أعماق التاريخ، تتوارثها الأجيال، وتصقلها دوماً المحن والشدائد لتزيدها صلابة ومنعة.

الجدار البشري والوطني المنيع

ولأن لغة التهديد والوعيد السعودي التي تستهدف القبائل تجاوزت كل حدود التحمل وطبيعة الوعي المتجذر لدى أبناء القبائل اليمنية الأحرار، الذين نشأوا وترعرعوا منذ طفولتهم على قيم النخوة والشهامة والبطولة والدفاع المستميت عن السيادة الوطنية والكرامة الإنسانية، فإن ردود الفعل القبلية الواسعة والعارمة التي اجتاحت مختلف المحافظات والمناطق اليمنية تجاه هذا السلوك الأهوج مثّلت -بعنفوانها الجارف- جداراً بشرياً ووطنياً منيعاً يعلن الجهوزية التامة لردع العدوان وإحباط كل المؤامرات الخبيثة الرامية إلى تمزيق النسيج الاجتماعي للأمة الإسلامية واليمنية.

هذه الوقفات واللقاءات القبلية الحاشدة والمليونية إنما تترجم بدقةٍ عقيدةً قتالية ووطنية متكاملة وشاملة، تستند إلى إرث بطولي عميق في مقارعة الطغاة والمستكبرين عبر التاريخ. وحين تحاول قوى العدوان جاهدة اختبار صبر الشعب اليمني الأبيّ فإنها تنسى أو تتجاهل أن هذه القبائل تمتلك من القدرات الهائلة والإمكانيات الروحية ما يمكّنها تماماً من تحويل التهديدات إلى منطلق فعلي لتغيير معادلات المواجهة برمتها، مستندة في ذلك إلى أرصدة ضخمة من الشجاعة والبأس والاستعداد التام لتقديم الغالي والنفيس في سبيل حماية الأرض والدين والعرض والكرامة.

وتتجلى هذه الحقيقة في التدفق اليومي المستمر للرجال والعتاد والسلاح نحو ميادين الشرف والمواجهة، حيث يتحول الاستنفار القبلي من مجرد موقف سياسي نظري أو تضامني إلى واقع ميداني صلب وفعال، يصنع الفارق الحاسم في تثبيت قواعد الردع وتغيير موازين القوى لصالح الحق والعدالة والكرامة الوطنية المستحقة.

خط أحمر مهما كانت التحديات

تؤكد الدراسات الاجتماعية الرصينة أن المقومات التاريخية والأخلاقية الراسخة التي تحكم حركة القبيلة اليمنية تنبع أساساً من الانتماء الأصيل للدين الإسلامي الحنيف وقيم المروءة والنجدة والإيثار، التي تجعل من المساس بالجار أو الوطن خطاً أحمر نهائياً لا يمكن لها بأي حال من الأحوال التغاضي عنه أو المساومة عليه تحت أي ظرف من الظروف ومهما كانت التحديات. ولهذا السبب الجوهري فإن الخروج القبلي المسلح في الوقفات واللقاءات الحاشدة يتجاوز بكثيرٍ مجرد استعراض القوة العضلية، ليرسل رسائل بالغة الوضوح والصراحة المباشرة للعدو بأن القبيلة جاهزة ومستعدة تماماً لخوض أعتى المعارك، وحمل كافة الأعباء العسكرية واللوجستية دفاعاً عن مقدسات الأمة وحريتها وسيادة أراضيها المغتصبة.

ويبرز في هذا السياق الرصين الدور المحوري والتقليدي الراسخ لـ "النكف القبلي"، وهو كما أكد ناطق الحكومة الدكتور عمر داعر البخيتي: "عُرف اجتماعي أصيل ومتجذر في الحضارة اليمنية منذ مئات السنين، وتجمُّع مدني سلمي وحق مكفول شرعاً وعرفاً وقانوناً" لحماية الحقوق المشروعة، ورد المظالم التاريخية، وصد الاعتداءات الخارجية والهمجية.

إن محاولة المساس بهذا العُرف العريق أو اعتباره هدفاً عسكرياً ليس إلا تعبيراً فاضحاً وصريحاً عن الإفلاس السياسي والأخلاقي لمن يقف خلف هذه التهديدات، كما تؤكد رغبة عدوانية متعمدة في ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ويشدد البخيتي أن: "تهديد القبيلة اليمنية خطيئة كبرى سيدفع النظام السعودي ثمن عواقبها الباهظة، والتاريخ أثبت يقيناً أن معاداة القبائل اليمنية الحرة والكريمة والشجاعة تقود حتماً إلى الهزيمة الذليلة".

وعلى عكس ما هدفت إليه محاولة الترهيب السعودي البائسة، فإنها زادت بشكل مضاعف من قوة التفاف الشعب اليمني الأبي حول قيادته الحكيمة ومشروعه الوطني الجامع لمواجهة قوى الاستكبار. وقد تجسد الرد العملي الواضح في المواقف البطولية لشيوخ القبائل وكبرائها الذين رفعوا -في أكثر من لقاء وفعالية خلال الأيام الماضية- صوت الحق المدوي في وجه الغطرسة والهيمنة.

يؤكد الشيخ محسن جميل، عضو مجلس الشورى وأحد كبار مشايخ "نِهم" الأجلاء، أن اليمنيين هم رجال الحرب والقتال الأشاوس، محذراً بكل صراحة من أن "الشعب الذي يستنفر كل يوم لا يمكن بحال أن يهزمه التهديد، بل سينقل المعركة مباشرة إلى داخل العمق السعودي".

وهذا التحذير الاستراتيجي المهم يتفق المحللون والباحثون على كونه تعبيراً دقيقا وواقعيا عن إمكانيات حقيقية وجاهزية قتالية عالية للقبائل اليمنية، تتكامل وتنسجم انسجاماً تاماً مع القوات المسلحة الباسلة التي تمتلك بدورها القدرةَ الفائقة والكفيلة بتوجيه ضربات موجعة وحاسمة للمواقع الحساسة والاستراتيجية للنظام السعودي.

محاولات إضعاف بُنية القبائل وتفكيكها

تؤكد الدراسات والأبحاث التاريخية والسياسية أن الرياض سعت طوال العقود الماضية، وبشتى الوسائل، إلى محاولة شل حركة النضال الوطني اليمني، وإضعاف بنية القبائل وتفكيكها عبر أساليب دنيئة تتمثل في شراء الذمم، وشق الصفوف الداخلية، وتغذية النزاعات القبلية البينية لإشغالها بنفسها، فجاءت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر المجيدة لتصحح هذا المسار الوطني المعوج، وتعيد اللحمة والوحدة الحقيقية للقبيلة اليمنية، وترسخ وعيها الاستراتيجي العميق بأهمية السيادة الوطنية المطلقة والاستقلال التام عن أي تبعية خارجية.

واليوم، حين يدرك النظام السعودي بمرارة عجز كافة أدواته التخريبية ورشاويها عن اختراق الصف القبلي المنيع، يلجأ يائساً إلى لغة التهديد المباشر بالقصف والعدوان العسكري السافر على اللقاءات والفعاليات القبلية، كاشفاً بذلك عن عجز خياراته ودخول مشروعه الهادف لإخضاع اليمن مرحلة السقوط والإفلاس التام. فالقبيلة اليمنية الأبية، التي استطاعت باقتدار إفشال كافة مخططات الماضي البائس واستطاعت توحيد صفوفها وموقفها الصلب تحت راية القيادة الثورية والمسيرة القرآنية المباركة، هي اليوم أكثر قوة وبأساً وتماسكاً وإصراراً لا يلين على مواصلة معركة التحرر الشامل وإزالة أي أثر للوجود الاستعماري والوصاية الأجنبية من كامل التراب الوطني والمنطقة بأسرها.

ميادين العزة وبطولات الأجداد

على صعيد الميدان والتكتيك القتالي الميداني تشكل القبائل اليمنية نسيجاً متكاملاً وملتحماً مع المؤسسة العسكرية والأمنية، حيث يتوزع أبناء القبائل الأحرار على مختلف المحاور القتالية وجبهات العزة والكرامة والشرف، متسلحين بمهارات قتالية استثنائية تتوارثها الأجيال، مع معرفة دقيقة وميدانية بجغرافية اليمن المعقدة وشاهقات جباله المنيعة وأوديته الخصبة. واستهداف أي قبيلة أو تجمع قبلي إهانةٌ وعدوان سافر ومباشر على كل القبائل اليمنية قاطبة بدون استثناء وفق العرف القبلي الراسخ، ويستدعي فوراً النكف الداعي والتضامن القبلي المطلق، ليتحول الإقليم برمته إلى ساحة مواجهة مفتوحة وشرسة ضد المعتدي الأثيم، ويجعل من المستحيل عليه كسب أي جولة ميدانية أو فرض واقع جديد يمس بالسيادة والمكتسبات الوطنية المقدسة.

والشعب اليمني  وطلائعه القبلية الأبية، كما تؤكد الأيام والوقائع، لا يخافون إلا الله وحده، ولا يحنون هاماتهم لأي طاغية أو متجبر، وهم مستمرون بكل عزم وثبات في معركة العزة والكرامة، معركة "الفتح الموعود والجهاد المقدس" حتى تحقيق النصر الكامل وتطهير كل شبر من أرض الوطن الغالي. ويزخر التاريخ العربي والإسلامي المجيد بالكثير من الشواهد الناصعة التي تؤكد قطعاً أن اليمنيين كانوا دوماً الذُخر الحقيقي للإيمان، ومحور النصرة، وراسخي الخطى في مناهضة الظلم والطغيان والظالمين. فمن قبائل الأنصار (الأوس والخزرج) التي نصرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسست لدولة الإسلام الأولى، إلى الجيوش والقبائل اليمنية العظيمة التي فتحت الشام والعراق ومصر والأندلس وشرق الأرض وغربها، يمتد هذا الشريط المشرق والمضيء من العطاء والتضحية والفداء بلا حدود الى اليوم. لذا فإن محاولة النظام السعودي وسدنته تقزيم دور القبيلة اليمنية العريقة أو تصويرها كوجود هامشي أو ثانوي يمكن تحييده ببيانات التهديد والوعيد الفارغة، هي محاولة مفضوحة وبائسة للقفز على البديهيات التاريخية الساطعة كالشمس، والهروب من آثار الانكسار.

ويشكل هذا الموروث النضالي الضارب في عمق التاريخ الخزان المعنوي والفكري الهائل الذي ينهل منه أبناء القبائل الأحرار اليوم صمودهم وشجاعتهم، ويمنحهم الحافز المتجدد لمواصلة القتال والبذل والعطاء مهما بلغ حجم التضحيات وكبرت جسامة التحديات، وهم موقنون تمام اليقين بأن العاقبة الحميدة للمتقين، وأن الباطل مهما علا صوته كان زهوقاً.

البقاء فوق مقابر الغزاة

وحين يُقدم المعتدي السعودي على تهديد التجمعات المدنية والقبلية المتمثلة في "النكف" الجامع أو المناسبات الاجتماعية والدينية المختلفة، فإنه ينتهك -بفظاظة بالغة- كافةَ القوانين الدولية والأعراف الإنسانية من جهة، ويتجاوز كل الأعراف والأسلاف القبلية المتعارف عليها في الجزيرة العربية منذ أقدم العصور من جهة أخرى. وهذا الانتهاك الفاضح والمكشوف يجرده من أي غطاء أخلاقي أو إنساني يزعمه، ما يستفز النخوة القبلية الحرة لدى كل يمني، ويحول القتال ضد المعتدي الغاشم إلى واجب ديني وأخلاقي وقبلي مقدس لا يتخلف عنه إلا من سلب كرامته ونخوته الإنسانية.

وتأسيساً على كل ما سبق، فإن التهديدات السعودية الاستفزازية للقبائل اليمنية أثبتت فشلها الذريع، وعادت بالوبال والارتداد العكسي القوي على أصحابها، حيث تحولت إلى وقود أجج روح الاستنفار والقتال لدى كافة أبناء المجتمع اليمني، وسقط الرهان على لغة القوة والغطرسة والغرور. وسيبقى التاريخ الإنساني والوطني يسجل بأحرف من نور وضياء مواقف القبائل اليمنية الأبية الشامخة التي أبت الذل والرضوخ والانكسار، وحولت التحديات إلى فرصة تاريخية لا تعوض لإعادة كتابة التوازن الاستراتيجي في المنطقة، وتثبيت حقيقة أزلية ثابتة لا تقبل الشك بأن اليمن كان، وسيبقى إلى الأبد، حراً مستقلاً عزيزاً، ومقبرة حتمية كبرى لكل غازٍ ومستعمر وطامع عبر الأزمنة والعصور.