موقع أنصار الله . تقرير | يحيى الشامي
تحول باب المندب من ساحة هيمنة خارجية إلى حصن سيادي يمني لا يمكن تجاوزه، فبينما كانت القوى المعتدية تحلم بالسيطرة على الساحل اليمني ومصادرته لمصلحة المشروع الصهيوني، وبهدف عزل اليمن عن عمقه الاستراتيجي، أدت عملية تحرير الساحل الغربي إلى إعادة ترتيب أوراق القوة اليمنية وتفعيلها لصالح السيادة اليمنية، وأصبح المندب معادلة ردع بحرية تعيد رسم قواعد اللعبة في البحر الأحمر.
أحد عشر عاماً من العدوان والحصار كانت كافية لتوليد قوة بحرية يمنية فرضت احترام سيادتها، وحوّلت محاولات الاختراق إلى ثمن باهظ يدفعه المعتدي في اقتصاده وطاقته وبنيته التحتية. واليوم، معادلة البحر الأحمر تُرسم من سواحل اليمن المحررة، حيث تحولت كل جزيرة يمنية إلى نقطة رصد سيادية، وكل عملية بحرية إلى رسالة تأكيد على أن الحقوق اليمنية لا تُمنح، بل تُنتزع، فكيف نجح النفوذ البحري لصنعاء في قلب موازين القوة، وما هي التداعيات الحقيقية لهذا التحول على من راهن على الهيمنة؟ وهل ستجبر هذه الجغرافيا الجديدة المعتدين على قبول التسوية التي تحترم السيادة اليمنية، أم أن استمرار العدوان سيوسع دائرة المواجهة دفاعاً عن حق لا يقبل المساومة؟
يُعد مضيق باب المندب ممراً بحرياً يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وتفصل مياهه الإقليمية بين شبه الجزيرة العربية وقارة أفريقيا، وتكمن أهميته الاستراتيجية في كونه شرياناً للتجارة العالمية، لكن الأهم من ذلك أنه جزء لا يتجزأ من السيادة اليمنية، جزيرة بريم (ميون) التابعة لليمن، والموانئ القريبة مثل عدن، تمثل عمقاً استراتيجياً يمنياً خالصاً.
في هذا الإطار، تشير دراسة صادرة عن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (Ufeed) إلى أن أهمية المضيق لا تقتصر على كونه طريقاً للتجارة، بقدر ما هو متصل بأمن الموانئ اليمنية وحركة الأساطيل وكلفة الشحن، وتوضح الدراسة أن السيطرة على الساحل الغربي والجزر القريبة كانت هدفاً أساسياً للعدوان لعزل الساحل عن الدولة اليمنية، وأن استعادة صنعاء لهذه المواقع لم تكن مجرد مكسب عسكري، بل كانت استرداداً للحق السيادي في الإشراف على المجال البحري الوطني، وتفكيكاً لشبكات المراقبة والقوات المحلية (المرتزقة) التي استُخدمت لتهديد الحديدة وموانئ اليمن.
ويعي الشارع اليمني أن اليمن أدرك مبكراً أن موقعه الجغرافي هو ثروة وطنية يجب حمايتها. والتحول الأبرز ظهر عندما انتقلت أهمية المضيق من كونه مجرد معبر دولي، إلى مجال بحري خاضع للتنظيم اليمني، حيث أعلنت صنعاء فرض قيود على حركة السفن المرتبطة بالجهات المعادية، كإجراء مشروع في إطار الحق الطبيعي للدول في تنظيم الملاحة في مياهها، وكرد فعل مباشر على الحصار الجائر المفروض على الموانئ اليمنية. ويرتبطُ ذلك بأهمية الساحل الغربي، خاصة بعد عملية تحريره التي عكست تصميم صنعاء وإصرارها على استعادة اليمن لسيادته الكاملة، وهو ما يحرم الأطراف التي تسعى لاختراق الجبهة اليمنية الصامدة من استخدام الجغرافيا اليمنية ضد مصالح اليمن نفسه.
شكّل التحول الميداني في باب المندب محطة جديدة في مسار الصراع، تؤكد أن القدرة على التأثير في البحر ليست حكراً على الأساطيل الدولية، بل هي حق للدول الساحلية في الدفاع عن حدودها.
وتؤكد دراسة مركز (Ufeed) أن تحرير المخا وميون والمناطق المطلة على باب المندب مثّل إحباطاً لمخطط استراتيجي استمر لأكثر من أحد عشر عاماً، هدف إلى تفكيك الوحدة الجغرافية لليمن. واستعادةُ هذه المواقع شملت تطهير الساحل من التشكيلات المسلحة غير الشرعية، التي تحولت إلى ما يشبه "قراصنة" يهددون السفن القادمة إلى اليمن، ما دفع القوات الوطنية إلى دفع هذه التشكيلات شرقاً نحو السلاسل الجبلية، وتأمين السواحل لحماية الثروات والحدود اليمنية من أي أطماع مستقبلية.
وفي هذا السياق، يرى باحثون أن قدرة صنعاء على التأثير في باب المندب لم تكن مشروطة بالسيطرة البرية الكاملة فحسب، بقدر ما هي تعبير عن إرادة سياسية رافضة للهيمنة المنفردة للقوى الخارجية على الممرات البحرية المتاخمة لليمن. وتشير كثير من ال دراسات إلى أن اليمن أثبت أن عملياته البحرية تُدار بمسؤولية عالية، حيث تؤكد صنعاء أن المرور في المضيق يتم بسلاسة للسفن غير المعادية، بينما يتم استثناء السفن التابعة للجهات التي تشارك في الحصار على اليمن. وهذا ما أكده تحسن انتظام الملاحة في قناة السويس، ما يدحض الادعاءات بأن اليمن يعرقل التجارة الدولية، ويثبت أن الإجراء اليمني هو "حصار بالحصار" ضد من يحاصرون اليمن، وهو حق مشروع تكفله الأعراف الدولية للدول التي تتعرض لعدوان.
تضع التطورات الميدانية والبحرية الأخيرة المملكة السعودية أمام مأزق وجودي متزامن، لا يقتصر على مساري تصدير الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل استقرارها الاقتصادي الداخلي. فبحسب ما رصدته هيئة "دويتشه فيله" (DW)، فإن الاضطراب في حركة الملاحة رفع من أهمية خط أنابيب "شرق–غرب" لنقل النفط إلى البحر الأحمر، لكن استهداف هذا الخط الحيوي دفع الرياض إلى إغلاقه احترازيًا، ما ضيّق هامش المناورة أمام صادراتها وزاد المخاوف حول ضغوط إضافية على اقتصادها.
وهنا، لا يقتصر المأزق السعودي على قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل البنية التحتية والاقتصاد الوطني ككل، فقد كشفت تقارير حديثة لصحيفة «وول ستريت جورنال» عن حجم التداعيات المتصاعدة للعمليات اليمنية على المملكة، حيث امتدت تأثيراتها لتطال المطارات، وقطاع الطيران، ومشاريع البنية التحتية، وجاذبية الاستثمار. وفي المقابل تجد الرياض نفسها أمام خيارات عسكرية وسياسية معقدة، في ظل تزايد كلفة المواجهة ومخاطر استمرار الاستنزاف على المستويين الاقتصادي والعسكري، ما يجعل أي مغامرة جديدة ضد السيادة اليمنية ذات ثمن باهظ لا تحتمله اقتصادات الحرب.
وفي الوقت ذاته، يواجه المسار الغربي المار عبر ينبع والبحر الأحمر وباب المندب تحديات وجودية مع اتساع النفوذ اليمني على الساحل والجزر الاستراتيجية، خاصة مع إعلان صنعاء أن قيودها تستهدف السفن السعودية بشكل حصري رداً على عدوانها. وهكذا، تجد المملكة نفسها أمام "كماشة جغرافية" من صنع يدها: مسار شرقي مضطرب، ومسار غربي يخضع للتنظيم السيادي اليمني.
وتشير دراسة صادرة عن مركز "الاتحاد للأبحاث والتطوير" (Ufeed) إلى أن الرياض كانت قد أنشأت خط شرق–غرب وميناء ينبع بالأساس لتقليل اعتمادها على الخليج، لكن هذه المنشآت والناقلات باتت اليوم حلقات مترابطة ضمن دائرة الضغط المشروع الذي يمارسه اليمن دفاعاً عن سيادته. أما محاولات طرح بدائل، مثل مد أنابيب نفط عبر الأراضي اليمنية (مثل حضرموت)، فهي مشاريع وهمية في ظل الانقسام الداخلي وتعقيد التركيبة المحلية، وتبقى محاولة فاشلة للالتفاف على الحقوق السيادية لليمن في التحكم بموارده وممراته.
تتعامل الولايات المتحدة مع الواقع الجديد في باب المندب عبر محاولة حماية مصالحها، مع إدراكها أن فرض قواعد أحادية الجانب في المياه الإقليمية اليمنية لم يعد ممكناً. وتسعى واشنطن لإبقاء قناة التواصل مفتوحة ما دامت مصالحها المباشرة خارج دائرة الاستهداف، متجنبة المواجهة المباشرة مع اليمن، ومكتفية بدعم حلفائها. أما كيان العدو الإسرائيلي، فإن باب المندب بات يمثل تحدياً أمنياً له، حيث أن امتلاك اليمن للساحل والجزر يوسع قدرات الرصد والإنذار في البحر الأحمر. ويتركز دور العدو في جمع المعلومات والدعم الاستخباراتي، لكن قدرته على التصعيد المباشر تبقى مقيدة ببعد المسافة، وبتكلفة المواجهة مع قوة بحرية وصاروخية يمنية أثبتت قدرتها على الاشتباك بفعالية غير مسبوقة، كما وصفها القادة البحريون الأمريكيون أنفسهم.
بالنسبة للحضور الأوروبي عبر مهمة "أسبيدس"، فيبقى محصوراً في إطار دفاعي محدود لحماية السفن، وهو اعتراف ضمني بعدم القدرة على تغيير المعادلة السيادية الجديدة التي فرضها اليمن على سواحله ومياهه.
يخوض اليمن -بالتوازي مع الميدان- معركة دبلوماسية هادئة مع الدول الآسيوية والأوروبية، لطمأنتها إلى أن الموقف اليمني يستهدف فقط من يشارك في العدوان والحصار على اليمن. وقد حققت هذه الجهود نتائج إيجابية، حيث أدركت العديد من الدول أن مشاركتها في التحالفات التي تقودها السعودية لا يجب أن تتعارض مع احترام السيادة اليمنية وحقوقها في تنظيم مياهها.
وتعرض دراسة مركز (Ufeed) خيارات أمام السعودية، أبرزها العودة إلى خارطة الطريق التي تحترم الحقوق اليمنية، أو الاستمرار في المغامرة التي ستبقي باب المندب وخطوط الطاقة ضمن دائرة الضغط المشروع. وتميل المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إدارة ضغط مستمر، يهدف إلى إرغام العدوان على رفع الحصار، وسحب المرتزقة، والاعتراف بالسيادة اليمنية الكاملة على الساحل والجزر.
ويربط قائد الثورة اليمنية السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي بين هذه المعطيات والثوابت الوطنية، مؤكداً أن اليمن يستفيد من الظروف الإقليمية، لكنه يبقى متمسكاً بقضيته العادلة في فك الحصار والدفاع عن السيادة، مكرراً في أكثر من خطاب وكلمة وبيان: «نحن أصحاب قضية حقيقية واضحة». وهو ما يعكس قراءة وطنية عميقة: المعركة هي معركة يمنية خالصة لتحرير الأرض والبحر من الوصاية الخارجية.
تكشف التحولات في باب المندب أن الصراع هو -في جوهره- صراع على السيادة الوطنية، لقد انتقل اليمن من موقع الدفاع عن الأرض إلى موقع فرض الاحترام لمياهه الإقليمية وموارده. وفي هذا المشهد، تتحول الجغرافيا إلى عامل ضغط سياسي واقتصادي مشروع، يهدف إلى إنهاء الحصار واستعادة الحقوق.
ويرى الباحث عبد الحسين شبيب -في مقال نشره موقع قناة المنار- أن العودة إلى التفاهم ممكنة فقط إذا اقترنت بالاعتراف الكامل بالحقوق اليمنية: رفع الحصار، الانسحاب الكامل، وقف التدخل في الشأن اليمني، والتعامل مع اليمن كدولة ذات سيادة وندية. وهي الشروط ذاتها التي تطرحها صنعاء وترفض التنازل عنها. وهي حقوق محسومة من المنظور الوطني، فالجغرافيا الجديدة في باب المندب هي أولاً وأخيراً "حق سيادي يمني" تم استرداده، وهي ورقة تفاوض قوية لإجبار العدوان على قبول شروط اليمن العادلة، وليست مجرد مدخل لمواجهات خارجية، فاليمن يدير معادلته البحرية بناءً على مصالحه الوطنية العليا، وبصرف النظر عن أي ملفات إقليمية أخرى.