موقع أنصار الله . تقرير 

في قرية الشرية بمديرية بني حشيش شرق صنعاء، كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ظهراً من يوم السبت السابع من نوفمبر 2026 كانت الشمس تتوسط كبد السماء، والنساء والأطفال يقبعون في منازلهم القروية المتراصة، والرجال يمضون في تفاصيل يومهم العادي، لم يكن ثمة ما يستدعي القلق. كانت الأبواب الخشبية العتيقة مفتوحة على الحياة، والنوافذ تطل على أفنية يعرفها أهلها حق المعرفة، والأثاث الريفي البسيط يحتفظ بدفء الساكنين. كانت الحياة تسير على وتيرتها المعتادة، إلى أن جاءت آلة الإجرام السعودي.

في لحظة واحدة، انقلبت القرية على وجهها. اهتزت المنازل، وتهاوت الجدران، وتصاعدت سحب الغبار، ووجد أهل القرية أنفسهم أمام مشهد لم يكن في أسوأ كوابيسهم. ستة منازل مأهولة بالسكان دُمرت كلياً على رؤوس ساكنيها. لم تعد هناك غرف يمكن الاهتداء إليها، ولا أبواب يمكن الوصول منها إلى أصحابها. اختلطت الغرف بأسقفها، والأثاث بالحجارة، وأحلام الأطفال بتراب البيوت.

تحت الأنقاض كانت ثمة حكايات لم تنتهِ بعد. طفل ينتظر يداً تمتد إليه، وأم تحاول أن تستدل على صوت ابنها وسط أصوات الاستغاثة، وأب يفتش بين الركام عن أفراد أسرته لا يعرف من نجا منهم ولا من سبقه الموت. كان الأهالي يحفرون بأيديهم، يرفعون الحجارة، وينادون أسماء أحبائهم. كلما أزاحوا حجراً، تمنوا أن يجدوا تحته نفساً تتنفس، أو عينين تفتحان، أو صوتاً يقول لهم: أنا هنا.

ولم تكن المأساة قد بلغت نهايتها بعد. فبينما كان أهل القرية والمسعفون يحاولون الوصول إلى الضحايا وانتشال الجرحى، عاود طيران العدوان السعودي استهداف الطرق والمسعفين بثلاث غارات متتالية، لتصبح حتى محاولات إنقاذ الأرواح محفوفة بالخطر. جريمة مزدوجة، كما وصفها رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان علي تيسير: الأولى استهداف منازل مدنية مأهولة بالسكان، والثانية استهداف المسعفين أثناء قيامهم بواجبهم الإنساني. الأولى قد يدّعي العدو أنها خطأ، أما الغارات الثلاث على المسعفين فلا يمكن تبريرها بأي شكل.

 الأرقام التي لا تختصر الوجع

مع انكشاف حجم الكارثة، بدأت الأرقام تتحدث عن فداحة ما حدث. متحدث وزارة الصحة د. أنيس الأصبحي أعلن أن الحصيلة شبه النهائية لمجزرة قرية الشرية بلغت 33 شهيداً و39 جريحاً، بينهم 8 نساء و13 طفلاً و12 رجلاً ضمن الشهداء، و10 نساء و13 طفلاً و16 رجلاً ضمن الجرحى. لكن هذه الأرقام، رغم دقتها، لا تستطيع أن تحكي ما حدث. هل يستطيع الرقم ثلاثة وثلاثين أن يخبرنا كم أماً فقدت ابنها، وكم طفلاً أصبح يتيماً، وكم أباً سيعود إلى بيت لم يعد فيه من ينتظره؟ هل تستطيع التسع والثلاثون إصابة أن تختصر وجع من نجا لكنه ترك تحت الركام جزءاً من روحه؟

مجزرة سوق الوازعية

وفي سوق الحضارة بمديرية الوازعية بمحافظة تعز، كان المشهد أكثر إيلاماً. 30 شهيداً و13 جريحاً في حصيلة غير نهائية، من المدنيين المتسوقين الذين خرجوا لشراء احتياجاتهم اليومية، كما يفعل أي إنسان على هذا الكوكب. استهداف الأسواق الشعبية، كما قال القائم بأعمال وزير الإعلام د. عمر البخيتي، يُعد من جرائم الحرب مكتملة الأركان. تلك الأماكن مكتظة بالسكان المدنيين العزل، ونرى هنا حجم التطابق ما بين العدوان الإسرائيلي على الأشقاء في غزة وعلى أبناء شعبنا اليمني، فالنهج واحد والطريق والفكر واحد والأداء واحد، وبالتالي هما عملة لوجه واحد".

وبين المجزرتين، كانت الحصيلة التراكمية جراء تصعيد العدو السعودي الأخير قد بلغت 1064 شهيداً وجريحاً بينهم 340 شهيداً و724 جريحاً، خلال فترة قصيرة لا تتجاوز 120 يوماً. وفي محافظة تعز وحدها، سقط 199 شهيداً وجريحاً خلال ثمانية أيام فقط. أرقام تتحدث عن سياسة إبادة جماعية ممنهجة، كما وصفها رئيس هيئة حقوق الإنسان، لا عن حوادث منعزلة.

النمط الإجرامي: البيت، والسوق، والمزرعة، والماء، والاتصال

لم تكن مجزرة الشرية، ولا مجزرة سوق الحضارة، حدثاً معزولاً. لقد كشف توثيق الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان عن نمط إجرامي متكامل: استهداف المدني، ثم استهداف من يسعفه، ثم تدمير ما يبقيه على قيد الحياة. في محافظة صعدة، قصف العدو السعودي المزارعين والمسعفين في الطلح بمديرية سحار، وشن غارة جوية على المديرية نفسها في يوم مجزرة الشرية، واستهدف شبكات الاتصالات في مديرية كتاف والبقع بتسع غارات جوية متتالية، ودمرها وعزل آلاف المواطنين عن العالم وقطع وسيلة استغاثتهم الوحيدة.

وفي محافظة لحج، استهدف العدو بثمان غارات عزلتي زريقة الشام وزريقة اليمن في مديرية المقاطرة، ما أسفر عن استشهاد امرأة وتدمير منظومة طاقة شمسية لمشروع مياه، وحرمان آلاف الأسر من حقها في الماء. وفي مديرية همدان بمحافظة صنعاء، استهدف طيران العدوان آبار مياه، ودمر مصدر الحياة الوحيد للمواطنين. وفي مديرية الحشاء بمحافظة الضالع، استهدف شبكة اتصالات في محاولة لعزل المدنيين عن العالم.

في ذات النمط الإجرامي: استهداف المدني، ثم استهداف من يسعفه، ثم تدمير ما يبقيه على قيد الحياة، وهو النمط: البيت، والسوق، والمزرعة، والماء، والاتصال. فالعدو يقصف مقومات الحياة الخمس التي تبقي المدني على قيد الحياة. هذا هو تعريف الإبادة الجماعية في القانون الدولي"، كما قال تيسير. إن ما يجري يُعدّ جرائم حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية عمداً، وجرائم ضد الإنسانية بموجب المادة 7، لأنها هجوم واسع النطاق وممنهج على سكان مدنيين.

الإجرام السعودي دليل ضعف وهوان

إن استهداف المدنيين والأسواق والمنازل والتجمعات الاقتصادية البسيطة يُفهم كعقيدة عسكرية بديلة تلجأ إليها السعودية كلما انسدّت أمامها الخيارات التكتيكية في جبهات المواجهة المباشرة فالقصف المدني، هو تعويض ناري أهوج عن العجز عن تحقيق خرق ميداني، وكشف لتفكك «بنك الأهداف» الحقيقي، وتحوّل للقوة الجوية من أداة حسم إلى أداة تدمير عبثي. وتكرار استهداف الأسواق الشعبية والمنازل المكتظة، كما في مجزرة سوق الحضارة بالوازعية ومجزرة بني حشيش، يكشف عن قرار مدروس يهدف إلى إحداث أكبر صدمة اجتماعية ممكنة، وفرض تكلفة إنسانية باهظة على البيئة الشعبية، وتغطية الفشل المتراكم في تحقيق أي خرق ميداني أو ردع حقيقي، ونقل ثقل الصراع إلى الفضاء المدني المحمي قانونياً لأن القيادة العسكرية عاجزة عن مواجهة المقاتل الميداني وهذا النمط يعبّر عن خلل وهزيمة نفسية وليس عن قوة، إذ تفضّل القيادة السعودية ضرب النساء والأطفال والباعة المساكين بدلاً من جبهات الاشتباك.

الهيئات الدولية وسياسة الكيل بمكيالين

هذا الاستهداف المتكرر للمدنيين والأعيان المدنية يشكل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، وللمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب في استخدام القوة، ومبدأ الاحتياط والتفرقة بين المنشآت الحيوية والأهداف العسكرية لكن المشكلة لا تتوقف عند التوصيف القانوني، بل تتصل بالمظلة السياسية والغطاء الدبلوماسي الأمريكي الغربي الذي يوفر حصانة عملية للسعودية، ما يجعل القانون الدولي أداة انتقائية تُطبّق بحزم على طرف، وتتلاشى عندما يكون المعتدي مشترياً كبيراً للمنظومات التسليحية الغربية ومن هنا يبرز مأزق أخلاقي حقيقي وازدواجية معايير تجاه دماء اليمنيين، فتوثيق الجرائم المستمر يضع المنظومة الحقوقية الدولية أمام حقيقة أن الدماء المسفوكة في اليمن لا تسقط بالتقادم، وأن الصمت عليها يمنح المعتدي ضوءاً أخضر للاستمرار.

وفي مقابل هذا المشهد، فإن الموقف اليمني الرسمي والشعبي متكاملاً في الإدانة والتوثيق ورفض الاستكانة فرئيس المجلس السياسي الأعلى المشير الركن مهدي المشاط تعهد لجميع شهداء شعبنا بالانتقام من قاتل الأطفال والنساء "قرن الشيطان". مضيفا أننا سنعاقب قرن الشيطان على جرائمه بحق أبناء شعبنا اليمني. والقوات المسلحة تؤكد أن سفك دماء المدنيين لن يمر دون رد عسكري موجع يستهدف العمق الاقتصادي والعسكري السعودي، وأنها تصوغ خياراتها الردعية بفاعلية واستقلالية، ورابطة علماء اليمن تدين الجرائم والمواقف المنحازة إلى السعودية، وتعتبر استمرار المجازر دافعاً إضافياً للتمسك بالدفاع الوطني.

نتائج عكسية للطغيان السعودي

ومن أعمق ما في هذا الطرح أن الاستراتيجية السعودية تناقض نفسها؛ فبدلاً من تفكيك الحاضنة الشعبية أو إجبار اليمنيين على التراجع، تؤدي المجازر إلى زيادة التلاحم المجتمعي، وتأكيد قناعة الشارع بأن المعركة وجودية، وتحويل الدماء المسفوكة إلى وقود للتعبئة العامة والتلاحم القبلي والشعبي، وإفشال الرهان على إحداث شرخ بين المجتمع والقيادة العسكرية وبذلك تتحول العملية العدوانية برمتها إلى عبء استنزافي وأخلاقي يلاحق السعودية، لا إلى أداة حسم. وفي هذا السياق، أعادت القوات اليمنية تعريف معادلة الردع عبر استراتيجية «التكلفة مقابل التأثير»، حيث تستطيع طائرة مسيرة أو صاروخ شلّ مطار استراتيجي أو تعطيل منشأة نفطية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، وهو ما يفرض على الرياض إعادة حساباتها، ويكسر التفوق الناري التقليدي لصالح التكيف الشامل والابتكار الميداني.

والفرق الجوهري هنا بين الاعتماد اليمني على الذات والتطوير المستقل، والاعتماد السعودي المزمن على الدعم اللوجستي والاستخباري والصيانة الغربية، يفسر الفارق في الصمود، ويدلل على أن حسم الحروب المعقدة لا يتم بدفاتر الشيكات ولا بالترسانات المستوردة، بل بعقيدة قتالية متكاملة وخيارات استراتيجية مرنة.

والخلاصة النهائية أن السعودية، حين عجزت عن الحسم العسكري، حوّلت الحرب إلى عقاب جماعي للمدنيين، لكن هذا الخيار انقلب عليها قانونياً وأخلاقياً وسياسياً واستراتيجياً؛ فالمجازر لم تكسر اليمن بل عززت تلاحمه، والرد اليمني لم يكن انتقاماً عابراً بل صياغة جديدة للردع تستهدف مفاصل الاقتصاد السعودي وتكشف هشاشة الاعتماد على الخارج وبذلك يصبح الاستهداف السعودي للمدنيين دليلاً على إفلاس استراتيجي، ويصبح الرد اليمني على العمق السعودي هو اللغة التي يفهمها المعتدي، حتى يتوقف العدوان ويُرفع الحصار.