موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي

من شرفة الضمير الغائب، وبعيون كالحة ومشاعر جامدة، يطيل العالم النظر ببلادة إلى ما يجري في اليمن من استباحة يومية للدماء البشرية ومصادر أقوات الناس، حيث العدو السعودي يستمر في حصد الأرواح بلا خوف من مجتمع دولي ولا رادع من قوانين.

​في السادس والعشرين من مارس 2015 بدأ عدوانه، قاسياً على كل النواميس والأعراف والقوانين، جهاراً نهاراً على أسماع المحافل الدولية وأنظار الأمم التي صُمّت آذانها وعميت بصائرها. طائراته تزرع الموت في كل وادٍ وجبل، وتصب جام غضبها على أمة أرادت أن تكون حرة الإرادة، عزيزة السيادة، شامخة الهامة. ليتعالى التساؤل عن خلفية هذا الصمت العالمي؟!

​وعقب خرق خفض تصعيد، عاد أشد شراً وكأنه خلال أربع سنوات إنما كان يشحذ مشاعر الحقد والكراهية غير المبررة على هذا الشعب الصابر. يوماً بعد يوم تتوالى الهجمات والغارات بلا توقف ولا هوادة. قنابل وصواريخ تتساقط على المدن والقرى والأسواق وصالات المناسبات والجسور وشبكات الاتصال بصورة عبثية، تمتد لتمس كل شبر من المناطق الحرة، تلك الجغرافيا الأبية التي رفضت الخنوع وظلت عصية على الانكسار أمام رياح العصف والظلم. وكلما أشرق نهار جديد، ارتفع عداد المآسي مسجلاً أرقاماً جديدة تفطر القلوب للشهداء والجرحى نساءً وأطفالاً ومدنيين عزل.

​ليس عارضاً طارئاً ولا خطأً غير مقصود

​ومع كل مأساة تتضاعف أنات الثكالى واليتامى في مشاهد تلعن موت الضمير الإنساني، وفي عين الوقت يتعالى عداد المشردين الذين يجدون أنفسهم في لحظة بلا سقف يظلهم ولا جدار يأويهم، بعدما أحالت الصواريخ والقنابل مساكنهم إلى ركام.

​الأمر ليس عارضاً طارئاً ولا خطأً غير مقصود في حسابات الميدان، بل هو سلوك مترسخ ومنهج تدميري متواصل يؤكده مسار العدوان منذ اثني عشر عاماً؛ إذ تستمر الغارات بنفس النهج، تمعن في قصف المنازل المأهولة والبنى التحتية التي يقيم عليها المواطن أسباب عيشه اليومي، من شبكات مياه ومحطات طاقة وطرقات ومدارس ومستشفيات، وكأنما الغاية الكبرى هي محو معالم الحياة وتحويل الأرض إلى بقعة يباب لا تنبت إلا الشوك والوجع. ثم يبدو المشهد أكثر إيلاماً حين يبرز سلوك العدو متحللاً من القيم، فيرسم تفاصيل مثيرة للأسف، حين ينفذ دوراته التدميرية اليومية، ويصب حمم طائراته ويُخلِّف الخراب في كل زاوية، ثم إذا به يرتدي رداء المظلوم، رافعاً صوته أمام المحافل الدولية، شاكياً باكياً متألماً من ردود أفعال القوات المسلحة اليمنية! ليجد آذان المجتمع الدولي له مصغية منصتة، وكأن المطلوب من الشعب اليمني -في هذا الميزان المائل- أن يقف تحت القصف صامتاً، وأن يستقبل الموت برحابة صدر، وأن يمتنع حتى عن الأنين أو رفع اليد لدرء الفأس عن رأسه.

​شرعنة الشر وإدانة حق الدفاع

​تتجاوز الأرقام يومياً المائة غارة، ولو استمر سلوك القتل والتدمير الممنهج لأشهر وسنوات لما تحرك في هذا العالم ضمير، ولظل الموقف الدولي مجرد مشهد سينمائي يكتفي فيه الآخرون بكرسي المشاهدة والتفرج على نزيف الدم المستمر. ​ويبرز هذا النفاق الدولي أكثر كلما تحرك اليمن مدافعاً عن نفسه مُستلاً حق الرد المكفول بكل الشرائع السماوية والقوانين الأرضية، فلحظتها تنتفض عواصم القرار في العالم، ويتداعى المسؤولون من كل حدب وصوب لتوزيع بيانات التنديد والشجب والرفض. إنه النفاق الوقح في أبهى صوره، تتجلى فيه ازدواجية المعايير حين تُشرعن للجلاد ممارسة شروره، وتُدين الضحية لممارسته حق الدفاع عن النفس.

​يرفض هذا العالم المنافق أن يفرض اليمن حصاراً مماثلاً على السعودية التي تفرض عليه الحصار منذ مارس 2015، ويرفض العالم وبشدة أن تُقصف القواعد العسكرية السعودية ومنشآتها الحيوية التي تمد عمله العسكري بأسباب الاستمرار في ممارسة الإبادة والتخريب، فما الذي ينتظرونه من شعب يُذبح كل يوم؟ أن ينكفئ على ذاته ويستسلم للفناء؟ أم ينتظرون منه أن يرد بنفس أسلوبهم فيستهدف الأحياء السكنية المكتظة بالأبرياء والصغار داخل الأراضي السعودية؟

​إن اليمن، ومن واقع قيم أهله المستمدة من دينهم وأصالتهم، يرفض السقوط في هذا المستوى من الدناءة، ويلتزم أعلى درجات قواعد الاشتباك، فلا يستهدف في ردوده إلا ما كان مرتبطاً بالمجهود العسكري والعمل الحربي للعدو، مبتعداً كل البعد عن دماء المدنيين وحرمة مساكنهم. ومع هذا، لا يرى العالم هذا الانضباط الأخلاقي وطهارة الوسيلة والأفق في الرد اليمني، بينما يغفر للمعتدي كل جرائمه المخالفة لقواعد الحروب. والأكيد -وفق ذلك- أن العالم اليوم يصفع التاريخ بإفلاسه الأخلاقي الحاد وسقوطه القيمي المدوي، وهو يمايز بين الأطراف ويُخضع العمليات لمعايير مزدوجة، مصطفاً إلى جانب الجلاد القائم بالعدوان.

​حجم هائل من الظلم والانحطاط

​وفي شواهد الخرق المتعمد لشرف المواجهة، يبرز اللجوء السعودي إلى الآخرين من أجل الإضرار والتضييق على هذه الأمة أكثر، فيستهويه باستمرار تشكيل التحالف تلو التحالف، وجلب القوى وتجييش الجيوش وتجميع الحلفاء من أجل استهداف شعب محاصر وأرض مجهدة. هذا الأمر بذاته -حسب الخبراء- كفيل بأن يصدم ضمير أي إنسان حقيقي ويوقظه من غفلته العميقة؛ فحشد الأمم وتأليب القوى على بلد يقاوم بصدر عارٍ وبطن جائع يثبت حجماً هائلاً من الظلم، ويظهر مدى الانحطاط الذي وصلت إليه السياسة الدولية حين تصبح دماء الشعوب وأقدارها مجرد أوراق للمساومة والتجارة والمصالح الزائفة.

​يزيد على ذلك التصريحات الرسمية والمواقف المعلنة لجوقة المتواطئين في الدوائر الغربية التي توفر للعدو الغطاء السياسي والدبلوماسي الكامل، متجاهلة النداءات الإنسانية والتقارير الدولية التي توثق حجم المأساة اليومية في اليمن.

​مع كل ذلك ترتفع أصوات الأحرار من قلب المعاناة، مؤكدة أن منطق القوة الغاشمة لن يكسر إرادة شعب قرر أن يمضي في طريق الحرية حتى تحقيق الهدف، وأن استمرار هذا العدوان الغاشم لن يؤدي إلا إلى مزيد من تعقيد المشهد الإقليمي والدولي، فاليمن لم يكن يوماً طامعاً في أرض غيره، ولكنه لن يقبل أبداً أن تُداس سيادته أو يُستباح قراره. ومحاولة السعودية ومنظومة النفاق الدولية تغليف العدوان بأهداف إنسانية لم تعد تنطلي على أحد، فقد سقطت كل الأقنعة وبانت عورات مجتمع القرارات الأممية الذي يكيل بمكيالين، متخذاً من "الشرعيات الدولية" غطاءً رخيصاً لتمرير مشاريع الهيمنة والسيطرة. وهذه المفارقة في سلوك المجتمع الدولي تجاه المظلومية اليمنية هي دليل ساطع على سقوط المعايير الإنسانية أمام هيمنة المال السياسي وصفقات السلاح التي تلطخ أيدي الشركات العابرة للقارات بدماء الأبرياء.

​ثوابت السيادة وقضايا الأمة

​وفي تفاصيل المشهد الاقتصادي والمعيشي المترتب على العدوان والحصار المطبق، تتكشف فصول أخرى من معاناة اليمنيين التي تتعمد السعودية فرضها؛ إذ لا يكفي القصف الجوي المستمر، بل يترافق ذلك مع حرب اقتصادية شعواء تستهدف لقمة عيش المواطن، من قطع المرتبات، إلى استهداف العملة، إلى منع وصول السلع الأساسية عبر الموانئ، في محاولة يائسة لتركيع الشعب وثنيه عن مواقفه المبدئية الثابتة تجاه سيادته وقضايا أمته الكبرى، وفي طليعتها القضية الفلسطينية. ولعل هذا الربط العضوي بين العدوان على اليمن ومحاولات ثنيه عن دوره القومي والديني يفسر الكثير من أسرار التحالف السعودي المشؤوم، ويكشف عن الأجندات الخفية التي تسعى لإبقاء المنطقة رهينة للإرادة الخارجية والتبعية المطلقة.

​إن نظرة واحدة إلى المنظومة الأممية والهيئات المتشدقة بحقوق الإنسان تُظهر مدى الزيف الذي يحيط بهذه المؤسسات التي لم تتوانَ يوماً عن بيع مواقفها لمن يدفع أكثر. فحين تُحرج التقارير الميدانية أذرع العدوان على اليمن وتثبت بالدليل القاطع تورطها في قتل الأطفال واستهداف المدارس والمستشفيات، نجد تلك المؤسسات ترضخ للضغوط المالية والتهديدات بسحب التمويل لتنسحب خطوة إلى الخلف وتعدل تقاريرها وتفرغ بياناتها من أي محتوى إدانة حقيقي. هذا البيع والشراء في الدماء الإنسانية أفقد المنظومة الدولية ما تبقى لها من مصداقية، وأكد للشعب اليمني ولشعوب العالم الحرة أن الحق لا يُستجدى على موائد الأمم المتحدة، وإنما يُنتزع بالثبات والجهد والمقاومة المشروعة.

​وفي خضم كل هذه الأحداث، يبرز التلاحم المجتمعي في اليمن كعامل حاسم في تعزيز الصمود والاستمرار؛ فبالرغم من المعاناة المعيشية والحصار الخانق، يظل الشارع اليمني متماسكاً ومؤمناً بعدالة قضيته، ومدركاً أن التنازل عن الكرامة يعني الضياع والارتهان الأبدي. هذا الوعي الشعبي المتجذر يشكل الحصن الحصين والركيزة الأساسية التي تنكسر عليها كل مؤامرات الشقاق والرهانات على الانهيار الداخلي. وتتوارث الأجيال هذا الصمود، وتتحول الآلام والجراح إلى وقود يغذي روح الرفض ومقاومة الهيمنة، ليصنع هذا الشعب ملحمة تاريخية ستظل محفورة في ذاكرة الأمة والعالم.

​العاقبة للمتقين

​لكن التاريخ يخبرنا مراراً وتكراراً -وفق سنن الله سبحانه وتعالى- أن العاقبة للمتقين، وأن الباطل مهما علا صوته وتعددت تحالفاته فهو إلى زوال. وسجلات التاريخ ستظل ملأى بشواهد الخزي والعار الذي لن تُطهره مياه البحار ولن تمحوه الأيام.

يظل اليمن ثابتاً في ميادين العزة، يواجه العاصفة بصدر عارٍ إلا من اليقين والثقة المطلقة بنصر الله، غير متطلع إلى رحمة من لا يرحم، ولا راجٍ عطف من أغلق قلبه أمام أنات الأطفال وأوجاع الأمهات. ومن اعتصم بالله وتوكل عليه حق التوكل فلن يضره كيد المستكبرين ولو اجتمع معهم عليه من بأقطارها، وفي محكم التنزيل عبرة لكل متدبر، حيث يقول الحق سبحانه: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)، وهي الآية التي تظل ماثلة كالسيف البتار أمام كل ظالم وجبار تذكّره بأن غضب السماء لا محالة واقع، وبأن عاقبة الظلم وبال وخيم على أصحابها. ويبقى اليمن -برغم كل الجراح والآلام- شامخاً أبدياً في وجه الطغيان، يسطر بدموع أبنائه وعرقهم ملحمة صمود ستدرسها الأجيال القادمة كرمز خالد للكرامة الإنسانية التي لا تبيع مبادئها ولو أطبقت عليها الدنيا بأسرها.