يمثل الثلاثون من نوفمبر محطة فارقة في تاريخ اليمن الحديث؛ فهو اليوم الذي غادر فيه آخر جندي بريطاني أرض الجنوب، معلنًا نهاية استعمار دام أكثر من 129 عامًا.. كان ذلك اليوم ثمرة نضال طويل قدمه اليمنيون بدمائهم وصمودهم، فصنعوا واحدة من أعظم لحظات التحرّر في المنطقة.
لكن المفارقة أن هذا الانتصار الكبير لم يتحول إلى حصن دائم يحمي البلاد من التآمر؛ إذ وجد اليمن نفسه بعد عقود أمام موجة جديدة من التدخلات الأجنبية، تغيرت فيها الأدوات وبقيت الغايات نفسها.
فالولايات المتحدة، والكيان الصهيوني، وبريطانيا، والإمارات، والسعوديّة، جميعها عادت إلى المشهد اليمني لكن بوجوه مختلفة وادِّعاءات جديدة.
وكان أخطرها ظهور المنقذ المزعوم، ذاك الذي جاء بما سُمي "عاصفة الحزم" ورفع شعار إنقاذ اليمن من أهله، بينما كان يحمل معه مشاريع تمزيق وحدته والسيطرة على قراره وموقعه وثرواته.
جاء ومعه مرتزِقة متعددون الجنسيات، وزج بهم في معارك انتهت بعودة الكثير منهم إلى بلادهم داخل صناديق لا تحتضن سوى الهزيمة التي لاقوها على أرض اليمن.
ولنا في صافر وصحراء ميدي وصحن الجن وباب المندب وغيرها من المناطق التي ظنوا أنها ستكون ممرات سهلة خير مثال؛ لكن أنوفهم مُرّغت بين جبال اليمن وسهولها، وتلقوا درسًا قاسيًا في معنى أن يتطاول الأجنبي على جغرافيا لا ترضخ إلا لأبنائها.
وبرغم ذلك، نجح الغزاة في تحقيق أهم أهدافهم: تمزيق وحدة البلاد، وإضعاف سيادتها، وحصار أهلها، وإثارة الصراعات الداخلية، ودفع اليمنيين إلى التناحر فيما بينهم لخدمة أجندات خارجية بحتة.
واليوم، يقف أبناء اليمن أمام تطورات خطيرة تُدار من الخارج، حَيثُ تعمل القوى المتدخلة من الرياض وأبوظبي وكَيان الاحتلال على صناعة صراعات داخلية مرسومة بعناية، هدفها تثبيت نفوذ الغزاة وتمرير مشاريعهم، بينما يتحول اليمنيون إلى ضحايا لخطة استعمارية جديدة تستهدف الأرض والإنسان.
الاستعمار القديم كان يأتي براية وجندي، أما استعمار اليوم فجاء بعباءة وعقال المنقذ، وقافلة الإغاثة، وبأموال مشروطة، وبقوات تقاتل بالنيابة، وبإعلام يصنع الوهم.
ومع ذلك، يبقى الشعب اليمني بوعيه وتجربته وذاكرته الوطنية، أكثر قدرة على كشف الأقنعة وفهم ما وراء الشعارات.
إن ذكرى 30 نوفمبر ليست مُجَـرّد صفحة مضت من التاريخ، بل هي رسالة متجددة مضمونها أن الاستعمار قد يعود متنكرًا، وأن الوطن لا يحميه إلا أبناؤه، والسيادة لا تُصان إلا بوحدة الموقف والقرار.
وكما خرج جنوب اليمن عام 1967 من قبضة قوة عظمى، فإن بإمْكَانه اليوم أن يتحرّر من كُـلّ أشكال الوصاية والغزو، مهما تغيرت وجوه المحتلّين وأسماؤهم.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: متى يكون لليمن نوفمبر آخر، يطرد فيه آخر حثالات الغزاة وعملائهم من كامل ترابه الوطني، ليعود اليمن حرًا، موحدًا، مالكًا لقراره دون وصاية أَو احتلال؟