المتأمِّل للحراك الجماهيري والحشد الشعبي خلال مسيرات الجمعة، يُدرك أنّ الخطابَ اليمني بات يتحدث بلُغة "الجولة القادمة"، وهي عبارةٌ توحي بأنّ صنعاءَ تملك معلوماتٍ أَو تقديرات عن تصعيدٍ وشيك، وَبهذا تسبق العدوّ بخطوة، معلنةً أنّ "أية حماقة قادمة ستواجَهُ برَدٍّ فوري، ولو تطلّب الأمر فتحَ جبهة استنزاف طويلة المدى ضد العدوّ"؛ ممّا يعني أنّ اليمن يفرض قواعدَ اشتباك جديدة تتجاوز البحر والجو لتصلَ إلى عمق المعركة البرية أَو المباشرة.
ويُعد تكرار فكرة التفويض للسيد القائد في الخطاب الجماهيري في كُـلّ المسيرات، أنّ الشعبَ اليمني يمنح القيادةَ صكًّا شرعيًّا مسنودًا بإرادَة شعبيّة، لتنفيذ ما تراه مناسبًا، من عمليات عسكرية قد تكون غيرَ مسبوقة في نوعيتها أَو جغرافيتها، وهذه المشروعيّة تعطي القيادةَ اليمنية مرونة سياسية وعسكرية هائلة للتحَرّك والمناورة، وتجعل العدوّ في حالة ارتيابٍ دائم من طبيعة الضربة القادمة، من قبل اليمن.
وكان بيان مسيرات "تلبية ونصرة للشعب الفلسطيني.. ثابتون وجاهزون للجولة القادمة"، صريحًا جِـدًّا في الربط بين ما يحدث في غزة وما يخطط لليمن ولبنان وإيران أَو غيرها، هو تحت مسمى (إسرائيل الكبرى) واستباحة المنطقة، وهو دعوة لإسقاط كُـلِّ خصومات المنطقة لصالح الأمن القومي للأُمَّـة، ورسالة أَيْـضًا للأعداء؛ بأنّ أيَّ إيغال صهيوني باستهداف غزة حتمًا سيأتي الرد من صنعاء.
لكن.. هناك ثمة نبرةَ يأس واضحةً في هتاف الجماهير من الأنظمة العربية، يقابلها رهانٌ متعاظم على الشعوب؛ فاستخدام مصطلحات مثل "نفض غبار الذل" و"الصمت شريك الإجرام" يهدف إلى خلق حالة من التمرد الوجداني لدى الإنسان العربي، ودفع الجماهير لتجاوز قيودِ أنظمتها، وتحويل القضية الفلسطينية من مِلف سياسي إلى واجب ديني وجودي لا يقبل القسمة على اثنين.
فضائح اليهودي الصهيوني "جيفري أبستين" وترامب لم تغِب عن البيان الشعبي؛ ما يُعد ضربًا للشرعية الأخلاقية للغرب؛ فاليمن يجرِّد المنظومةَ الغربية من قناع القيم الزائفة الذي تبرّر به تدخلاتها، كما يقول للشعوب العربية والإسلامية، إنّ هؤلاء هم من تخشونهم، وهذه هي حقيقتهم، وهو كسر حقيقي لحاجز الهيبة النفسية للغرب في الوجدان الشعبي العربي؛ فهل سنرى صحوتَهم وانتفاضتَهم عمّا قريب؟!