لا تُبنى الدولُ إلا على أكتافِ رجالٍ صامتين؛ كان طه المداني واحدًا منهم.. في منعطفات التحوّل الكبرى، لا يبرز أُولئك الذين يصفون المشهد، بل الذين يعيدون تشكيله.

ومن بين هؤلاء، ينهضُ اسم الشهيد اللواء طه حسن إسماعيل المداني (أبو حسن)، لا كشخصية عابرة، بل بُنية وعي، ومدرسة أمن، ومعادلة ردع.

سليل المجاهدين، الحصن الذي لم ينهار، وذاك الذي جعل الدم وطنًا والأمن سيرة.

لم تكن سيرة المداني سجلًا وظيفيًّا، بل مسار أُمَّـة مصغرة؛ من منابر الصرخة في جوامع صعدة وصنعاء إلى زنازين القمع التي صقلت الإرادَة، ومن أزقة “حرب المدن” إلى ميادين كسر أُسطورة المدرعات.

رجل جمع بين حدس رجل الأمن، وجرأة القائد العسكري، وصفاء المجاهد الصادق.

لم أكتبه تأريخًا، بل وفاءً؛ رأيته مرة في زحام المعركة..

لم يكن يتحدث، كان يفعل.

 

العبقرية العسكرية.. من صعدة إلى “مقبرة الدبابات”

حين تتكسّرُ المدرعاتُ أمام إرادَةِ المُشاة، وُلدت مدرسةُ طه المداني:

في الحربِ الرابعة: جرحٌ يتبعه جرح، وثباتٌ يعلو ثبات.

في الخامسة: مجزرة الدبابات، حَيثُ سقطت المدرعات في العراء أمام عقل يعرف الأرضَ كما يعرف الكَفُّ خطوطَه.

في السادسة: صمود الصعيد والمقاش ستة أشهر أمامَ “الفرقة الأولى مدرّع”، حتى انكسر الهجوم وانتصرت الإرادَة.

 

البناء المؤسّسي.. المهندس الأول للأمن والاستخبارات

من “الجندي المجهول” إلى كابوس الأجهزة الدولية؛ بعد الحرب السادسة، أدرك القائدُ أن النصرَ بلا أمن وَهْمٌ مؤقَّت؛ فأسّس الجهاز الأمني كجهاز مستقل، لا تابع للعسكر، ولا رهينة للارتجال.

تفكيك خلايا عابرة للحدود، إحباط اختراقات استخباراتية معقّدة، وإرباك حسابات واشنطن ولندن وكَيان الاحتلال.

 

من حماية الداخل إلى معركة الأُمَّــة

حين جاءت ثورةُ 21 سبتمبر، كان المداني عمودَها الفقري الأمني، وحين بدأ العدوان، كان في المقدمة؛ لم يختبئ خلفَ موقع أَو منصب، بل سبق رجالَه إلى الجبهات.

من حمى “ظهر الدولة” بصمت، مكّنها اليومَ من أن تضرِبَ في البحار، وتُحاصِرَ الصهاينة، وتصدحَ باسم فلسطين.

 

الشهادة والإرث.. حين يتحوَّلُ الدمُ إلى معادلة

لم تكن شهادة اللواء طه المداني عام 2015 نهاية السيرة، بل بداية مدرسة.

غاب الجسد، وبقي السند؛ ظل يحرسُ الدولة، ويُفشل المؤامرات، ويجعل اليمن رقمًا صعبًا في معادلة الجهاد المقدس.

كُـلّ إنجاز أمني اليوم، كُـلّ ضربة تُربِكُ الصهيونية، هو ثمرةُ ذلك الغرس الذي سقاه أبو حسن بدمه.