مع إطلاق صافرات الإنذار في عمق كَيان الاحتلال الإسرائيلي على نطاق غير مسبوق، سقطت واحدة من أكبر الروايات التي روّجها العدوّ طيلة الأشهر الماضية، عن "انتهاء حزب الله" وتفكك قدراته بعد الضربات الموجعة التي تلقاها في حرب الإسناد لغزة، لتأتي عملية "العصف المأكول" لتدحض هذه الأوهام بشكل عملي وميداني، فالمقاومة الإسلامية التي فاجأت الجميع بهذا الهجوم النوعي أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن قدراتها العسكرية لم تتراجع، بل تطورت وأصبحت أكثر دقة وفتكًا، وأن إرادَة المقاومة لا تقهر، مهما حاول العدوّ تصدير صورة الانتصار الوهمي.

ما كشفته عملية "العصف المأكول" يتجاوز مُجَـرّد رد عسكري على اعتداءات العدوّ، ليصبح دليلًا قاطعًا على أن حزب الله استطاع خلال الفترة الماضية ترميم وتطوير قدراته بشكل غير مسبوق.

فالقدرات التي أظهرتها العملية تجلت في استهداف ما يافا المسماة صهيونيًّا "تل أبيب الكبرى" بصواريخ ثقيلة لم تتمكّن الدفاعات الإسرائيلية من رصدها، حَيثُ سقطت صواريخ حزب الله في بيت شيمش غرب القدس المحتلّة واللد جنوب يافا، لتقطع مسافة 200 كيلومتر من الحدود اللبنانية، مما شكل مفاجأة كبرى للإسرائيليين الذين اعتادوا على أن يافا كانت هدفًا للصواريخ الإيرانية فقط، كما استخدم الحزب للمرة الأولى صواريخ "فادي 3" و"قادر 1" و"قادر 2" التي تحمل رؤوسًا متفجرة تزن 500 كيلوغرام، وُصُـولًا إلى استهداف قاعدة تسيبوريت شرق حيفا بسرب من المسيّرات للمرة الأولى، إضافة إلى مصنع عسكري غرب صفد ومحطة الاتصالات الفضائية في وادي إيلا، كُـلّ هذه الإنجازات تؤكّـد أن المقاومة تمتلك اليوم ترسانة متنوعة من الأسلحة الدقيقة والمسيّرات الانتحارية، التي تقدرها التقديرات الإسرائيلية بحوالي ألف طائرة مسيّرة من نماذج "أبابيل تي" و"صياد 107" و"شاهد 101".

إن الرسائل التي تحملها العملية هي متعددة المستويات، داخليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، فقد وجهت المقاومة رسالة واضحة للداخل اللبناني بأنها الضامن الوحيد للبنان في مواجهة المشروع الصهيوني، وبأن الرهان على المجتمع الدولي أَو القوى المحلية لحماية البلاد هو وهم كبير، خُصُوصًا في الوقت الذي كان فيه البعض يروج لمشاريع نزع سلاح المقاومة تحت عناوين السيادة والدولة، لتأتي الصواريخ لتقول إن السيادة الحقيقية تصنعها دماء الشهداء وإرادَة المجاهدين، وإن الدولة التي لا تملك قوة ردع حقيقية تبقى رهينة لإرادَة العدوّ.

أما على المستوى الإقليمي، تؤكّـد رسائل العملية أن المقاومة في لبنان هي جزء من معادلة استراتيجية شاملة، وأن الرد على اغتيال القادة لن يكون تقليديًّا أَو محدودًا، بل سيكون بالشكل والمكان والزمان الذي تختاره المقاومة.

أما على المستوى الدولي فالرسالة واضحة أَيْـضًا، فكَيان الاحتلال التي راهنت على دعم أمريكي غير محدود وحرب شاملة ضد إيران وجدت نفسها مضطرة لمواجهة جبهتين في وقت واحد، مع استنزاف واضح لقواتها، حَيثُ يصل عدد الجنود المرابطين على الجبهة الشمالية إلى مئة ألف جندي، وهو رقم يعكس حجم التهديد الذي تمثله المقاومة، وقد اعترفت مصادر إسرائيلية بأن القيادة الشمالية تستعد لإدخَال الفرقة 162 للعمل داخل لبنان، مما يعني أن العدوّ يخطط لتوسيع نطاق التوغل لكنه يدرك في الوقت نفسه أن كلفة ذلك ستكون باهظة.

ما فعلته عملية "العصف المأكول" هو إعادة رسم قواعد الاشتباك، وتحويل معادلة الردع التي كانت تدار من طرف واحد إلى معادلة هجومية متوازنة، تثبت أن حزب الله لم ينتهِ كما روجت آلة الإعلام الصهيونية، بل أصبح أكثر خبرة وقدرة، وأثبت أن نظرية "الجيش الذي لا يقهر" كانت مُجَـرّد وهم، وأن معادلات العام 2026 تختلف جذريًّا عن كُـلّ السنوات السابقة، فالمقاومة باتت تمتلك القدرة على ضرب العمق الإسرائيلي في أية لحظة تختارها، وبالأسلحة التي تريدها، محقّقة بذلك أعلى درجات الردع التي تجعل العدوّ يفكر ألف مرة قبل المغامرة بأي عدوان جديد على لبنان وشعبه.