يبرز في واقعنا العربي اليوم صنفٌ من "الأعراب" والمنبطحين الذين أعماهم الخوف وصَغُرَت في نفوسهم أقدارُهم، فراحوا ينسجون حول أمريكا هالةً من الأُلوهية المزيفة، وكأنها القوة التي لا تُقهر والمتحكمة في أرزاق العباد ومصائر الشعوب.
هؤلاء، الذين تخلوا عن كرامتهم مقابل حماية متوهمة، لا يكتفون بعبوديتهم الاختيارية، بل يسعَون جاهدين لتعميم ثقافة "الانبطاح" على الشعوب الحرة، محاولين تصوير العمالة لواشنطن كضرورة واقعية، والتمرد على غطرستها كانتحار سياسي.
إن المنطق الذي يروج له هؤلاء يعكسُ هزيمةً نفسيةً ساحقة؛ فهم يرون في العقوبات الأمريكية "نارًا" وفي الرضا الأمريكي "جنة"، ويحاولون إقناع العالم بأن الدول لا تقوى ولا تنهض إلا إذَا ارتمت في أحضان "البيت الأبيض".
بالنسبة لهؤلاء، أصبحت أمريكا في وعيهم المريض "على كُـلّ شيء قدير" ـ والعياذ بالله ـ، متناسين في غمرة ذلهم أن هناك خالقًا لهذا الكون بيده ملكوت كُـلّ شيء، وأن القوة والجبروت لله وحده، وأن من اعتز بغير الله ذل.
لقد غابت عن بصائرهم الآية الكريمة: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
هذا الفكر المنهزم لا يصدر إلا عن شعور عميق بـ "النقص"؛ فالمنبطح يرى نفسه صغيرًا، ولذلك لا يتخيل وجود شعوب تملك الجرأة لقول "لا" في وجه الطغيان الأمريكي.
هم يرتعدون من فكرة الحصار والعقوبات لأنهم ربطوا وجودهم بـ "الفتات" الذي يلقيه لهم الأسياد، بينما الشعوب الحرة في اليمن وإيران ومحور المقاومة، أثبتت أن الاعتماد على الله والاعتداد بالذات يحول الحصار إلى فرصة للإبداع العسكري والسياسي، ويجعل من "البعبع" الأمريكي مُجَـرّد قشة أمام إرادَة المؤمنين الصادقين.
إن هؤلاء المنبطحين الذين يرهبوننا بأمريكا، هم في الحقيقة يمارسون "الإسقاط النفسي" لفشلهم وعجزهم؛ فهم لا يريدون رؤية نموذج ناجح خارج العباءة الأمريكية، لأن ذلك يفضح خيانتهم ويكشف زيف ادِّعاءاتهم بأن "لا مفر من أمريكا إلا إليها".
لقد نسوا أن التاريخ لا يرحم الضعفاء الذين استبدلوا بكرامتهم "حماية" هشة تتهاوى اليوم أمام أول اختبار، وأن عزة المؤمن الصامد أقوى من كُـلّ أساطيلهم، فمن كان الله معه، فمن عليه؟ ومن كان الله خصمه، فمن يحميه؟