في زمنٍ تكاثرت فيه التحالفاتُ وتشابكت فيه المصالح، يفرض الواقعُ سؤالًا محرجًا: كيف يمكن تفسيرُ مواقفَ عربية تبدو متناقضةً مع أبسط القيم الإنسانية؟
فعندما نرى بعض الأنظمة العربية تتعامل مع كَيان الاحتلال الإسرائيلي بوصفه حليفًا استراتيجيًّا في صراعاته مع دولٍ أَو شعوبٍ في المنطقة كإيران أَو لبنان أَو اليمن، فإن الأمر لا يمكن اختزاله في إطار الخلافات السياسية التقليدية، إنما يتجاوز ذلك إلى حالة من الاستغراب الإنساني العميق، حَيثُ تتصادمُ هذه المواقفُ مع ما يُفترَضُ أنه الحدُّ الأدنى من الانسجام مع القيم والمبادئ المشتركة.
بات واضحًا أن كَثيرًا من هذه المواقف قد تخلّت عن سياقاتِها الإسلامية والعروبية والسياسية، بل وحتى عن مرتكَزاتها الأخلاقية.
فلم يعد هناك حضورٌ حقيقيٌّ لنداء الوَحدة الإسلامية، ولا صدى للعروبة التي كانت تلتفُّ حولَ القضية الفلسطينية، كما لم تعد تُطرح مبرّرات واقعية يمكن أن يقبلها العقل أَو تستقيم معها الحجّـة.
وفي ظل هذا التراجع، لم يبقَ سوى البُعد الإنساني مكشوفًا أمام الجميع؛ ذلك الوازع الفطري الذي أودعه الله في الإنسان، ووهبه العقل ليميز به بين الخطر والأمان، ويهتديَ إلى معرفة عدوه من صديقه دون التباس.
هذه الفطرة هي التي تجعل أي إنسان، قبل أن يكون مسلمًا أَو عربيًّا أَو سياسيًّا، يدرك غريزيًّا أن من يغتصب أرضًا ويطرد شعبًا ويقتل ويحاصر ويشرد أطفالًا ونساءً، لا يمكن أن يكون صديقًا لأحد، ولا يمكن أن يكون حليفًا مؤتمنًا.
إنه الحسُّ الإنساني المشترك الذي لا يحتاجُ إلى أيديولوجيا كي يفكر ويندفع.
هنا تبرُزُ ضرورةُ الوقوف وقفةً جادةً لإعادة تصحيح بُوصلة الخصومة التي شوّهتها الدعاية المضللة، وأربكت معايير الحكم لدى كثيرين، فإيران، خلافًا لما يُروَّج، لم تُعرَف تاريخيًّا كعدوٍّ مباشر للمصالح العربية أَو الإسلامية، ولم تُسجَّل عليها ممارساتٌ من قبيل احتلال أراضٍ عربية، أَو اغتصاب مقدسات، أَو تشريد شعوب، أَو استهداف واسع للبنى المدنية.
وفي المقابل، فإن ما تتعرض له إيران اليوم وما قبلَه من عدوان وحصار، لا يمكن فهمُه أَو وصفُه إلا كنتيجة لمواقفها المعلَنة في دعم قضايا تعتبر في أصلها عربيةً وإسلامية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إلى جانب خطابٍ سياسي يطرحُ فكرةَ بناء علاقات عربية إسلامية إقليمية قائمة على التعاون والمصير المشترك في مواجهة التحديات المشتركة.
ومن هنا يتجدَّدُ السؤالُ الجوهري: كيف يمكن إعادةُ تعريف “العدو” و“الحليف” في الوعي العام؟ وكيف يُقبَلُ توصيف إيران كعدو، في الوقت الذي تُبنى فيه تحالفات مع طرف يُنظر إليه تاريخيًّا بوصفه الخصم الرئيسي في الصراع؟، إنها إشكالية تتجاوزُ حدود السياسة، لتلامس جوهرَ الإدراك الإنساني نفسه، حَيثُ تصبح الحاجة ملحّة لإعادة قراءة الواقع بمعايير أكثر اتِّزانًا ووضوحًا.
وفي هذا السياق، يبدو أن المسألة تتجاوز مُجَـرّد اختلاف في التقديرات أَو التكتيكات السياسية، لتصلَ إلى خلل أعمقَ في تحديد البُوصلة الأخلاقية والإنسانية.
فبينما تميل بعض النخب إلى إعادة تعريف الخصومات والتحالفات وفق حسابات المصالح، تظل الشعوب أقربَ إلى قراءة الواقع بمنطق فطري مباشر، ورغم اتساع دائرة التطبيع الرسمي، ما تزال الشعوب العربية تُعبّر بوضوح عن موقف مغاير، فبحسب استطلاعات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لعام 2023م، يرى غالبية العرب أن كَيان الاحتلال هي العدوّ الأول، ويرفض نحو 89 % منهم الاعتراف بها.
وهو ما يعكس حضورًا قويًّا لما يمكن وصفه بـ“الوجدان الجَمْعي” الذي لم تُفلح التحولات السياسية ولا أدواتُ الدعاية في تغييره، ما يطرح تساؤلًا إشكاليا: كيف يُعاد تعريف ُالعدوّ والصديق في الخطاب السياسي، ولماذا يتسع الفارق بين ما تعلنه الأنظمة وما تشعر به الشعوب؟
في المحصلة، لا يبدو أن هذه الأسئلة يمكن حسمُها بمنطق المصالح وحدَه، بقدر ما تتطلَّبُ مراجعةً أعمقَ للمعايير التي تُبنى عليها المواقف، حَيثُ يظل الوعيُ الإنسانيُّ في صورته الأولية أكثر مقاومة للتشويش، وأقرب إلى استعادة المعنى حين تختلط الاتّجاهات.