في زمن تتساقط فيه الأقنعة، وتختلط فيه المواقف، تبرز الكلماتُ الصادقةُ كعلامات هداية، وتبقى المواقف الثابتة هي المعيار الحقيقي للانتماء والوفاء.

وعلى ذات الروحية الصُّلبة التي جسّدها ناطقُ القسام المجاهد الشهيد حذيفة الكلحوت، يواصل اليوم أبو عبيدة حَمْلَ الرسالة ذاتها، رسالة تسمية الأشياء بأسمائها، والاعتراف بالمواقف الصادقة دون مواربة أَو حسابات.

حين يوجّه أبو عبيدة التحية والامتنان لإخوان الصدق أنصار الله في اليمن، فهو لا يطلق مجاملة سياسية، ولا خطابًا عاطفيًّا عابرًا، إنه يقرّ بحقيقة راسخة مفادها أن من هبّ لنصرة فلسطين وغزة في زمن الإبادة إنما فعل ذلك بدافع الواجب الديني والأخلاقي والإنساني، لا بحثًا عن مكسب ولا استجابة لضغط.

لقد أثبتت الوقائع أن معركة فلسطين لم تعد معركة حدود، بل معركة وعي وموقف.

ففي الوقت الذي آثر فيه كثيرون الصمت، أَو انشغلوا بالتبرير، أَو اصطفوا في معسكر العدوّ سياسيًّا وإعلاميًّا، كان اليمن حاضرًا بالفعل لا بالبيانات، وبالموقف لا بالشعارات، مؤكّـدًا أن البُوصلة لا تزال تشير إلى العدوّ الحقيقي.

ومن هذا المنطلق، تكتسب هذه التحية أهميتَها الاستثنائية؛ لأنها صادرة من قلب الميدان، وفي ذروة حرب الإبادة، وفي لحظة بات فيها الصمت أَو الحياد شكلًا من أشكال التواطؤ.

فالناطق العسكري باسم كتائب القسام يدرك أن للكلمة ثمنًا، وأن كُـلّ توصيف يصدر عن المقاومة يُقرأ بدقة من العدوّ قبل الصديق، ولذلك لا يُمنح الوصف إلا لمن تحمّل كلفة الموقف ودفع ثمن الانحياز.

لقد أثبت اليمن، رغم الحصار والعدوان والظروف الإنسانية القاسية، أنه لم ينكفئ عن موقعه الطبيعي في معركة الأُمَّــة المركزية.

فموقفه من فلسطين لم يكن وليد انفعال عابر أَو حسابات آنية، بل تعبيرًا عن رؤية تعتبر القضية الفلسطينية معيارًا للانتماء، واختبارا حقيقيًّا لصدق الشعارات التي طالما رُفعت باسم العروبة والإسلام.

وفي المقابل، كشفت حربُ الإبادة حجمَ التصدع الأخلاقي في النظام العربي الرسمي، حَيثُ سقطت أقنعة كثيرة، وتحوّل الصمت إلى سياسة، والتبرير إلى خطاب، ووصل الأمر ببعض الأطراف إلى شيطنة المقاومة، وتحميل الضحية مسؤولية الجريمة.

لم تعد غزة مُجَـرّد جغرافيا محاصَرة، لقد تحولت إلى ميزان يفرز المواقف بوضوح، ويكشف من يقف في صف الحق، ومن يفضّل الوقوف على هامش التاريخ.

إن تحية القسام لليمن تحمل في جوهرها إقرارًا بأن المعركة لم تعد محصورة في حدود فلسطين الجغرافية، بل أصبحت معركة وعي وموقف تمتد عبر الإقليم.

فحين تُذكَر فلسطين واليمن في خطاب واحد صادرٍ عن المقاومة، فإن الرسالة واضحة: وحدة القضية تفرض وحدة الموقف، ومحاولات فصل الساحات لم تعد ممكنة في ظل هذا المستوى من التشابك السياسي والمعنوي.

كما أن توقيت هذه التحية يحمل دلالة خَاصَّة؛ إذ يأتي في لحظة يسعى فيها الاحتلالُ إلى عزل فلسطين سياسيًّا، وتجريم كُـلّ أشكال الإسناد، وتحويل القضية من مسألة تحرّر وطني إلى مِلف أمني أَو إنساني منزوع السياق.

ومن هنا، فإن الإشادةَ العلنية بالدور اليمني تمثّل كسرًا لمحاولات العزل، ورسالة واضحة بأن فلسطين لم تُترك وحدَها، وأن محاولات تفريغها من بعدها العربي والإسلامي لم تنجح.

في المحصلة، لا يمكن التعاملُ مع تحية القسام لليمن بوصفها تفصيلًا عابرًا في خطاب عسكري، بل يجب قراءتها بوصفها وثيقة سياسية وأخلاقية تعكس وعي المقاومة بطبيعة المرحلة، وتعيد رسم خريطة الاصطفاف داخل الأُمَّــة.

لقد قالت المقاومة كلمتها بوضوح: المواقف الصادقة تُعرف في زمن الشدة، وفلسطين ستبقى البوصلة التي تكشف صدق الانتماء من زيف الادِّعاء، أما التاريخ فلن يكتب إلا أسماء الذين اختاروا الوقوف في صف الحق، مهما كانت الكلفة.