كيف تُصاغ الحروب بالكلمات قبل الميدان.

هذا الخطاب تجاوز العزاء، نحن أمام بيان تاريخي محمّل بكثافة سياسية وعقائدية عالية، نُشر ليؤدي وظيفة كبيرة، وهي إعادة تشكيل الوعي وضبط الإيقاع، وفتح أفق جديد لصراع لم يعد يُقدَّم كحرب تقليدية، بل كمسار تاريخي ممتد.

منذ أن قرأت السطور الأولى للبيان، اتضح أن المرشد لا يريد للحدث أن يُفهم كخسارة، حين استدعاء مطلع من سورة الفتح، وهو تأطير كامل للواقعة.

ما جرى ليس ضربة موجعة للمرشد الأعلى الشهيد الكبير علي الخامنئي، بل فتح في ثوب الألم.

بهذا الكلام القوي واللغوي تم نقلنا جميعًا من حالة الحداد إلى حالة الاصطفاف، ومن الشعور بالفقد إلى الإحساس بالدور.

في قلب هذا الخطاب، وفي أربعينية المرشد، وفي شخصية كشخصية العالم الرباني علي خامنئي، بوصفه أكثر من قائد، أُعيد تركيبه كرمز عابر للزمن:

أولًا: كأبٍ، وإمام، ومرجع، وشهيدٍ في آن واحد.

هذا التوسيع في الدلالة هو ضرورة؛ لأنَّ بقاءَ الرمز حيًّا في الوعي شرط لاستمرار المشروع بعد غيابه.

حين يتحوَّلُ القائدُ إلى فكرة، يصبح غيابُه أقلَّ خطرًا من حضوره.

اللافت الذي شدني كصحفي أن الخطاب لا يكتفي بالبناء الرمزي، بل حوّل الخسارة إلى أدَاة تعبئة، وهي أن الألم ليس نهاية بل بداية.

هنا تحوّل الرثاء إلى رجز، والدم إلى خطاب، والغياب إلى حضور مضاعف.

هذه ليست بلاغة فقط، بل استراتيجية نفسية تُستخدم عادة في لحظات التحول الكبرى، إعادة تعريف الواقع كي لا يُقرأ كنكسة.

لكن ما وراء اللغة العاطفية أكثر صراحة، في ثنايا النص والبيان تظهر ملامح مرحلة تصعيد واضحة، الحديث عن عدم ترك المعتدين، والمطالبة بكل ضرر، ليس كلام انفعال، بل تثبيت لخيار المواجهة كمسار طويل.

الأهم من ذلك هو الإشارة إلى مضيق هرمز، وهي جملة تحمل وزنًا استراتيجيًّا يتجاوز الخطاب بكثير.

إدخَال هذا العنوان في البيان يعني أن أدوات الصراع لن تبقى محصورة في الجغرافيا المباشرة، بل قد تمتد إلى مفاصل الاقتصاد العالمي.

في المقابل، لا يُغفل البيان الجبهة الداخلية في إيران، بل ربما يضعُها في مقدمة الأولويات.

هناك خسارة ونقص في هذا العدوان، لكن الكلام في البيان يأتي مشفوعًا بدعوة للتماسك وضبط السلوك.

حين يُطلب من الناس مراعاة بعضهم والحذر من الإعلام المعادي؛ فنحن أمام محاولة واعية لإدارة المجتمع تحت الضغط ومنع تسرب الشك أَو الانقسام.

إنها معركةُ رواية وتضليل بقدر ما هي معركة سلاح.

البيان ذهب أبعد من ذلك حين يحاول إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والإعلام.

الدعوة إلى هجر وسائل معينة أَو التعامل معها بريبة كجزء من معركة السيطرة على السرد؟

في زمن تتشكل فيه القناعات عبر الشاشات، يصبح التحكم بالمعلومة أحد شروط الصمود.

على الصعيد الإقليمي، يحمل البيان رسالة لا تخطئها العين.

الخطاب الموجه إلى الجوار الجنوبي ليس دبلوماسيًّا بقدر ما هو تحذيري بلهجة ناعمة:

(قفوا في المكان الصحيح)، عبارة تختصر رؤية ثنائية للعالم: مع أَو ضد، لا مساحة رمادية هنا.

وهذا بحد ذاته مؤشر على أن المرحلة القادمة قد تشهد مزيدًا من الاستقطاب لا التهدئة.

أما البُعد الأعمق في البيان، فهو نقلُه الصراعَ من مستوى السياسة إلى مستوى العقيدة، وحين يستدعي مفاهيم مثل الابتلاء والوعد الإلهي والنظر بنور الله، يرفع المعركة من نزاع مصالح إلى مواجهة ذات طابع وجودي.

وحين يحدث ذلك، تتغير قواعد اللعبة، التسويات تصبح أصعب، والتنازلات أكثر كلفة، لأن الصراع لم يعد على الأرض فقط، بل على المعنى.

هذا الخطاب لا يُقرأ ككلمات تُقال في ذكرى، بل كوثيقة تعلن دخول مرحلة جديدة، وهي إعادة ضبط البوصلة بعد ضربة وخسارة، وتحويلها إلى نقطة انطلاق بدل أن تكون نقطة تراجع.

البيان فيه قدر كبير من التعبئة، وجرعة واضحة من التصعيد، ووعي عميق بأن المعركة الحقيقية ليست فقط في الميدان، بل في العقول أَيْـضًا، وفي وعي الشعوب.