{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنفسَهُمْ وَأموالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالقرآن وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

​تمرُّ بنا هذه الأيّام الذكرى السنوية لصرخة الحق التي رفعها قائدُ المسيرة القرآنية، شهيد القرآن، السيد حسين بدر الدين الحوثي، الذي كان حريصًا على حفظ كرامة الأُمَّــة، صارخًا في وجوه الظالمين؛ وذلك هو الفتى الذي تُكتب له سطور المجد بأحرفٍ من نور، وشرفٌ له وللأُمَّـة الإسلامية أنه قُتل شهيدًا مجاهدًا في سبيل الله.

​فإنَّ الناسَ إنما يتفاوتون في أقدارهم على مقدارِ إيمانهم، وبصيرة عزيمتهم، وصدق صرختهم في وجه الطاغية المعتدي؛ الذي يغتصب الديار، ويهتك الأستار، ويقتل الشيوخ والأطفال في فلسطين الحبيبة، ولا يَرْدَعُه دينٌ ولا مروءة.

فمن وثق بالله حقَّ التوكل، رفع اللهُ مقامَه في الدنيا والآخرة، وأخزى من أراد به هوانَه أَو حَطَّ من قدره.

إن هذه الصرخةَ استنهاضٌ للشعوب من واقع الثقافة القرآنية لمواجهة التضليل، وليس مُجَـرّد شعار سياسي.

​إنَّ التَّفاوتَ بينَ بَني البَشرِ ليسَ في طُولِ الأعمارِ، ولا في وَفرَةِ الأموال، وإنَّما يكمنُ التَّفاضُلُ الحقيقيُّ في مِقدارِ ما يَحملُهُ المرءُ بينَ جَنبَيْهِ من يَقينٍ، وما يَخطُّهُ بِيَدِهِ من مَواقِفَ في نُصرَةِ الحقِّ ودَحرِ الباطلِ.

فالمقامُ عندَ اللهِ وعندَ خلقهِ يُرفَعُ بمقدارِ الأنَفَةِ التي تُورِثُ صرخةً مُدويّةً في وجهِ كُـلّ طاغيةٍ استمرأَ استباحةَ الديارِ، واستباحَ دماءَ الشيوخِ والأطفال في فلسطين الحبيبة وفي لبنان والعراق واليمن والجمهورية الإسلامية في إيران.

​لقد اعتدت الصهيونية اليهودية على أرض العرب والمسلمين، وقتلت الشيوخ والأطفال والنساء، واستباحت الأرض على مرأى ومسمع من الناس أجمعين وسط سكوت مريب، ولكن فارس الكلمة وأبو أحرار الأُمَّــة، قائد المسيرة القرآنية وأنصار الله أبناء يمن الإيمان والحكمة صرخوا في وجه المستكبرين؛ فكان قائد المسيرة القرآنية السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) مَن جسد هذه الصرخة في وجوه المستكبرين بإباء وعزة، وكان لأنصار الله وحزبه في يمن الإيمان والحكمة ولبنان وإيران والعراق وإيران شرف الدفاع عن وطن المسلمين وقبلتهم الأولى: المسجد الأقصى، مسرى نبي الإسلام.

 

​فطرةُ العِزَّةِ وترياقُ الحُريَّة

​إنَّ الحُريَّةَ والكلمةَ الأبيَّةَ ليست رداءً يُستعار، بل هي فِطرةٌ إلهيَّةٌ وسجيَّةٌ رُوحيةٌ فَطَرَ اللهُ الناسَ عليها.

فالحُرُّ الحقيقيُّ هو مَن يأبى أن تَتلطَّخَ صَحيفَتُهُ بذُلِّ الهوانِ، أَو أن يرى أمَّتَهُ تُساقُ إلى مَذابحِ النِّسيانِ صامِتةً.

إنَّ الرفضَ لِغَمطِ الحقوقِ، والمقاومةَ لِعُنفوانِ الظَّلمةِ، هي العَلامةُ الفارقةُ بينَ النُّفوسِ العظيمةِ التي تَسمو بها المبادئ، والنُّفوسِ الخانِعَةِ التي تُكبِّلُها المَخاوفُ.

عَلى طَلَبِ العَلياءِ تُبنى العَوالمُ ** وَتُقضى بِأطراف العَوالي المكارمُ

إِذا هَمَّتِ النَّفسُ الأَبِيَّةُ بِالمُنى ** تَهاوَت لَها دونَ البُلوغِ القَواصِمُ

يَرومُ الفَتى نَيلَ الخُلودِ بِسَعيِهِ ** وَمِن خَلفِهِ تَجري السِّنينُ الرَّواغِمُ

وَمَن يَعشَقِ العلياء في صَدرِ غارةٍ ** تَهُن عِندَهُ بَينَ الرِّماحِ الصَّوارِمُ

بَنى المَجدَ أَقوامٌ بِمُرِّ جِهادِهِم ** فَذَلَّت لَهُم صُمُّ الصَّفا وَالعَظائِمُ

فَلا تَحسَبَنَّ النَّصرَ يُعطى لِقاعِدٍ ** ويسعى إليه العز وهو مسالمُ

 

​مَقامُ الثائرينَ للحقِّ

​مَن وَثقَ باللهِ تعالى أدرك أنَّ النَّصرَ صبرُ ساعةٍ، وأنَّ العاقبةَ لِمن رَفَعَ لواءَ العدلِ؛ لذا نَجدُ أنَّ التاريخَ لا يذكرُ إلَّا مَن دَفَعوا عن المُستضعفينَ بأسَ المُستكبرينَ.

إنَّ ذلكَ الشُّجاعَ الذي يَقفُ في الميادينِ، ذائدًا عن حِياضِ كرامَتِهِ، كاشفًا زيفَ الطُّغاةِ، يحتلُّ مكانةً لا تَطالُها هِمَمُ القاعدينَ؛ فهو في عُرفِ الفضيلةِ نَبراسٌ، وفي مَوازينِ الحقِّ ركنٌ ركينٌ.

​إن الحرَّ بفطرته وسجيته يأبى الذل والهوان، لا على نفسه فحسب، بل على أمته ومجتمعه وأهله.

فكيف يرضى الدنية مَن يعرف للكرامة قدرها؟ وكيف يسكت مَن يرى الدماء الزكية تُراق، والحرمات تنتهك، والأرض تُغتصب، وهو يسمع نداء الفطرة يَهِتف به: "قُمْ فانصر الحق، أَو مُت دونه كريمًا"؟ {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

ويقول سبحانه وتعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}.

​وما خَلُصَت أُمَّـة من ذل إلا بدماء شهدائها، ولا نالت حريتها إلا بصرخات أحرارها الذين لم يخافوا في الله لومة لائم، ولم تثنهم كُثرة الجُيوش ولا قسوة السلاسل.

أُولئك هم الذين قال الله فيهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.

​إنهم يكلِّفون أنفسهم ما تعجز عنه الجيوش الجرارة، ويطلبون للناس ما يطلبونه لأنفسهم من عز وكرامة، فَيُفدون بأرواحهم أمما بأكملها، وتَعلو مكانتهم عند ربهم وعند عباده الصالحين.

يَخوضُ الردى مَن كانَ لِلعِزِّ عانِيًا ** وَيَرضى بذل العَيشِ مَن هُوَ نائِمُ

وَإِنَّ كِرامَ الناسِ مَن ذادَ نَفسَهُ ** عَنِ الدُّونِ حَتّى لا تَلُمُّهُ اللَّوائِمُ

وَما رُتَبُ الأبطال إِلّا عَزائِمٌ ** تُقادُ بِها نَحوَ الخُلودِ المَلاحِمُ

حسينٌ أبو الأحرار خُلِّدَ ذكرهُ **بصدقٍ مع الرحمن فدته المكارمُ

 

ثمار الصرخة في واقع الأُمَّــة

​لم تكن تلك الصرخة التي أطلقها شهيد القرآن مُجَـرّد شعارٍ عابر أَو انفعالٍ لحظي، بل كانت مشروعًا عمليًّا أعاد للأُمَّـة ثقتها بنفسها في زمن الهزائم النفسية.

واليوم، يتجلى صدق هذا النهج فيما نراه من موقفٍ يمانيٍّ شجاع لم يتوقف عند حدود الإدانة والاستنكار، بل تجاوزها إلى الميدان؛ حَيثُ تحولت "الصرخة" إلى صواريخ ومسيرات تقض مضاجع المستكبرين، وإلى حصارٍ بحريٍّ يكسر غطرسة الصهيونية ومن يقف خلفها.

إن ما يسطره أنصار الله اليوم من ثبات في معركة "الفتح الموعود والجهاد المقدس" إسنادًا لغزة المظلومة، هو التطبيق الحي لتلك المبادئ التي بُذلت في سبيلها أزكى الدماء؛ ليثبت اليمن للعالم أجمع أنَّ من اعتصم بالقرآن وتسلح بصرخة الحق، لا يمكن لقوة في الأرض أن تكسر إرادته أَو تذلّ كرامته.

 

​الكرامةُ أَو الفَناء

​إنَّ المرءَ لا يُقاسُ بجَسَدِهِ، بل بمَوقِفِهِ.

وإنَّ الأُمَّــة التي تَحفظُ كرامتَها هي تلك التي يَنبتُ في أرضِها أحرار يَعتبرونَ الصمتَ عن المظالمِ مَوتًا قبلَ الأوانِ.

فليسَ يُعابُ على الفتى أن يلقى حَتفَهُ مُقبِلًا غيرَ مُدبرٍ، وإنَّما العيبُ كُـلّ العيبِ في أن يَحيا فوقَ بَسيطَةِ الأرض ذليلًا، يَرى حَقَّ المظلومِ يُسلبُ فلا يتحَرّك فيهِ عِرقُ الإباءِ.

 

​خاتمة

​لِيَعلمِ الطُّغاةُ المُستكبرونَ الذين يحتلون أرض فلسطين، ويحاصرون الجمهورية الإسلامية في إيران ولبنان والعراق ويمن الإيمان والحكمة، أنَّ عُروشَهُم مَهما عَلَت فهي واهيةٌ أمامَ صرخةِ مُظلومٍ يَسندُهُ حُرٌّ غَيورٌ.

ولْيَمضِ كُـلّ مَن نَذرَ نَفسَهُ لِحفظِ كرامةِ أُمَّتِهِ مَرفوعَ الهامةِ؛ فما خابَ مَن استَنصرَ باللهِ، وما ذَلَّ مَن كانَ الحقُّ سِلاحَهُ، والحُريَّةُ قِبلَتَهُ.

إنَّما العِزُّ لمن قال "لا" في وجهِ مَن طغى وتجَبَّر، وباعَ دُنياهُ لِيشتريَ بَقاءَ ذِكرِهِ طاهرًا في سِفرِ الخالدينَ.

{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}.

 

* عضو رابطة علماء اليمن