تتجلى عظمة المنهج القرآني في كونه لا يكتفي بتشخيص الداء، أيضًا يضع الترياق العملي الذي يعيد للأُمَّـة فاعليتها المسلوبة، وفي مقدمة ذلك "الصرخة" التي أطلقها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي كاستراتيجية بناءة لتحطيم جدار الصمت الذي ضربته أمريكا حول الأُمَّــة.
إن التدبر في قوله تعالى {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} يكشف أن الجهر بالموقف العدائي ضد الظالمين ليس مُجَـرّد رد فعل انفعالي، بل هو تشريع إلهي يمنح المظلوم حق استخدام الكلمة كسلاح لتعرية الطواغيت ومواجهة استكبارهم، وتحويل هذا الحق إلى قوة ردع معنوية تسبق المواجهة العسكرية وتؤسس لها.
لقد عملت أمريكا طوال عقود على تكريس حالة من الرهبة النفسية والتدجين الفكري في المنطقة، مستخدمة أدواتها الوظيفية في النظام السعوديّ والنظام في الإمارات لإسكات أي صوت يناهض الهيمنة أَو يكشف زيف الديمقراطية المصدرة إلينا عبر فوهات المدافع.
وفي ظل هذه الحرب السردية الشعواء التي تهدف إلى تغييب الوعي الجمعي، جاءت الصرخة لتعيد رسم خارطة الصراع وتحدّد بوصلة العداء بدقة متناهية.
إن "الجهر بالسوء" من القول تجاه أمريكا وكيان الاحتلال الصهيوني، هو في حقيقته إعلان براءة وإيمان، وتحويل للمظلومية من حالة الانكسار والاستجداء إلى حالة الهجوم المعنوي والمادي الذي يربك حسابات الغرف السوداء في واشنطن وكَيان الاحتلال.
المقال التحليلي لهذا الواقع يثبت أن الشعار لم يكن مُجَـرّد كلمات تردّد في الشعاب، بل كان وما يزال استراتيجية وقائية وأَسَاسًا لمشروع تحرّري متكامل يرفض الوصاية والتبعية.
ففي الوقت الذي يسعى فيه الأعداء عبر ماكناتهم الإعلامية الضخمة إلى فرض "ثقافة الصمت" وتمرير مشاريع التطبيع والارتهان، تأتي الصرخة لتكسر هذا الصمود الزائف للطغاة.
إنها سلاح يفتت هيبة أمريكا في النفوس قبل أن يفتتها في الميدان، وهي الموقف الذي أحبط مخطّطات الاحتواء التي كانت تستهدف اليمن والمنطقة بشكل عام، حَيثُ مثلت الصرخة سدًا منيعًا أمام التغلغل الاستخباري والثقافي الذي مهدت له الأنظمة العميلة لسنوات طويلة.
وعليه، فإن الجهر بالبراءة هو ممارسة سياسية واعية تتسق مع السنن الإلهية في نصرة المستضعفين.
إن استمرارية هذا الشعار وتعاظم أثره، خَاصَّة في ظل المواجهة المباشرة الحالية ضد كيان الاحتلال الصهيوني والغطاء الأمريكي المفضوح، تؤكّـد أن اليمن استطاع من خلال هذا الهدي القرآني أن يتحول من بلد كان يراد له أن يكون حديقة خلفية تابعة ذليلة، إلى فاعل أَسَاسي واستراتيجي في صياغة مستقبل المنطقة ومحور المقاومة.
الصرخة اليوم هي لسان حال كُـلّ مظلوم استجاب للنداء الإلهي، فجعل من قوله فعلًا، ومن صمته ثورة، ومن براءته نصرًا مؤزرًا يلوح في الأفق، محطمًا بذلك كُـلّ جدران الخوف والارتهان التي شيدها الاستكبار العالمي عبر أدواته ونفوذه المتهالك أمام صمود الأنصار.
نعم، إنها استراتيجية تحطيم القيود النفسية لبناء الأُمَّــة القوية التي لا تخشى في الله لومة لائم، معلنةً للعالم أجمع أن زمن الصمت قد ولى إلى غير رجعة، وأن صوت الحق هو الأعلى والأبقى، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.