المقدمة: اليمن في مرمى الأطماع الصهيونية منذ قرنين
موقع اليمن الاستراتيجي جعله محل أطماع القوى الكبرى، ولعل أخطرها المشروع الصهيوني الذي رأى في اليمن بوابة بحرية على باب المندب – أحد أهم الممرات الدولية في العالم، الذي يتحكم بحركة التجارة والنفط بين الشرق والغرب، منذ مطلع القرن التاسع عشر، برزت الأطماع الصهيونية في اليمن كجزء من المشروع الغربي العام للسيطرة على المنطقة العربية وممراتها الحيوية، تستعرض هذه الورقة خطورة هذا المشروع بأبعاده التاريخية والجيو-استراتيجية والدينية، وتوضح أهمية دفاع اليمن عن مصالحه الوطنية ضمن التحالفات القائمة في المنطقة وفي ظل العدوان الصهيوني الأمريكي القائم على الجمهورية الإسلامية في إيران ومحور المقاومة.
المحور الأول: الأطماع الصهيونية التاريخية في اليمن (1839–2025)
- الاحتلال البريطاني لعدن 1839:
بدأت المؤشرات المبكرة لتلك الأطماع عام 1839م حين احتلت بريطانيا ميناء عدن بدعم من القوى الصهيونية الناشئة التي كانت ترى في السيطرة على جنوب الجزيرة العربية مقدمة لإحكام النفوذ على البحر الأحمر وخطوط التجارة المؤدية إلى الهند، لم يكن الاحتلال البريطاني لعدن مجرد عمل احتلالي بحت، بل جزءًا من استراتيجية صهيونية ـ غربية مشتركة تهدف إلى تطويق الجزيرة العربية وتهيئة الظروف لإنشاء كيان يهودي في فلسطين لاحقًا.
- تقسيم اليمن وإضعافه (1914)
وفي عام 1914م جرى تقسيم اليمن بين الاحتلال البريطاني في الجنوب والاحتلال العثماني في الشمال، وهو تقسيم يخدم المشروع الاحتلالي الغربي والصهيوني الذي كان يسعى إلى إضعاف اليمن ومنع قيام دولة موحدة قوية على ضفة البحر الأحمر الشرقية، كما يمثل أحد مقررات مؤتمر كامبل بانرمان.
- محاولات توطين اليهود في سقطرى (1939-1943)
بين عامي 1939 و1943، طرحت بريطانيا فكرة توطين اليهود في جزيرة سقطرى، حيث اقترح وزير المستعمرات الأسبق ليوبولد آمري ذلك بناءً على وصف للسير إرنست بنت، تلته مراسلات سرية من السير جون شكبرغ إلى حاكم عدن السير برنارد رايلي لدراسة إمكانية استيعاب لاجئين يهود فارين من النازية، إلا أن رايلي استشار المستشار البريطاني هارولد إنجرامز الذي أبدى رفضه وأكد معارضة السلطان صالح بن غالب القعيطي، محذراً من أن التوطين سيكون وصمة عار للسياسة البريطانية، وعندما عرض الوزير أوليفر ستانلي المشروع عام 1943 على مجلس الوزراء الحربي، قوبل برفض نهائي خوفاً من الإضرار بالمصالح البريطانية ونقض الاتفاقيات مع السلاطين المحليين.
ورغم فشلها، إلا أن هذه المحاولات تثبت أن اليمن كان حاضراً في المخيال الاستيطاني الصهيوني.
ملاحظة: في الملحق عدد من الوثائق التي تروي قصة محاولات التوطين
كما يمكن الرجوع إلى مجلة الأحقاف المحكمة الصادرة عن مركز بحوث حضرموت التابع لجامعة الأحقاف والتي نشرت في عددها الأول سبتمبر 2024 بحثاً للبروفيسور صادق عمر مكنون، إضافة إلى:
- الوثائق البريطانية (BL, R/20/C/633): المراسلات بين شكبرغ ورايلي وإنجرامز.
- كتاب "Records of Yemen" (المجلد 9): التوثيق الرسمي للأحداث.
- مذكرات ومقالات المستشار هارولد إنجرامز ودراسات أخرى حول السياسة البريطانية في جنوب الجزيرة العربية.
- حرب 1973 وإغلاق باب المندب
في حرب أكتوبر 1973، بادرت صنعاء بالتعاون مع عدن إلى إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية، في خطوة استراتيجية أربكت العدو وأثرت على قدرته في دعم جبهات القتال، هذا الموقف أكد مركزية اليمن في معادلة الصراع العربي-الصهيوني، مما دفع العدو لاحقاً لمضاعفة جهوده لاختراق الساحة اليمنية، وقد دفع ذلك الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي إلى الدعوة لعقد "قمة البحر الأحمر" لحماية أمن الممر الحيوي، غير أن القمة اصطدمت بمعارضة سعودية وإسرائيلية، ويرى باحثون أن موقف الحمدي كان وراء اغتياله عام 1977.
وحينها علق موشي دايان بقوله: "كنا ننتظر أن تظهر لنا مصر من خليج العقبة فإذا بها تظهر من باب المندب، سنعمل على احتلال البحر الأحمر أو تدويله".
- الجزر اليمنية والاستخبارات الصهيونية
برز اهتمام استخباري إسرائيلي مبكر باليمن، حين أرسل الكيان الجاسوس باروخ مرزاحي إلى اليمن وألقي القبض عليه في الحديدة في مطلع السبعينات، ليدان ويُرسل إلى مصر لمبادلته بأسرى مصريين، وفي 73 استأجر الكيان من أثيوبيا جزراً مقابلة لمضيق باب المندب (دهلك وحالب وفاطمة)، وفي التسعينيات لعبت الصهيونية دوراً خفياً في دعم إريتريا لاحتلال جزر زقر وحنيش اليمنية، وأثناء العدوان على اليمن كشف أحد المراكز الفلسطينية عن إنشاء الكيان محطة مراقبة في جبل امبا سوايرا في أريتيريا، هذا يؤكد أن اليمن كان هدفاً استخباراتياً منذ عقود.
الأطماع الإسرائيلية المبكرة في الجزر الاستراتيجية اليمنية
في عام 1967، ومع استعداد بريطانيا لمغادرة جنوب اليمن بما في ذلك جزر ميون وسقطرى وكمران، تحركت الكيان مطالباً لندن بالبقاء في جزيرة ميون/بريم المشرفة على مضيق باب المندب، واستجابت بريطانيا للطلب الإسرائيلي، حيث أبدى الكيان الصهيوني خشيته من تعرض ملاحته للخطر، وجاء على لسان وزير الخارجية الإسرائيلي في 29 يونيو 1966 أن سقوط الجزيرة بأيد غير صديقة قد ينجم عنه موقف خطير كما حدث في خليج العقبة، مطالباً بالاحتفاظ بها حتى وضعها تحت إدارة دولية.
وقد تمكن الكيان الصهيوني من تأسيس أول قاعدة عسكرية له في جزر إثيوبية (قبل استقلال إرتيريا)، وتحديداً في جزر حالب وديمرا، وتحركت اليمن وقتها لدى الجامعة العربية، مطالبةً بموقف عربي حازم وموحد تجاه ما توارد من معلومات بشأن التواجد العسكري الإسرائيلي في منطقة جنوب البحر الأحمر.
يؤكد ذلك تصريح أطلقه وزير الخارجية الإسرائيلية وقتها، آبا آيبان، الذي قال إن “أمن إسرائيل محدد ببقاء مخرجها الأمني الحر إلى البحر الأحمر وبأنها ستدافع عنه بأي ثمن”.
وتصريح آخر لقائد سلاح البحرية، بنيامين تيلم، يتحدث فيه عن منطقة باب المندب والبحر الأحمر عموماً بالقول: إن “سيطرة مصر على قناة السويس لا يضع بين يدها سوى مفتاح واحد فقط في البحر الأحمر، أما المفتاح الثاني والأكثر أهمية من الناحية الإستراتيجية فمن المحتمل أن يقع بين أيدينا"، وهذا التصريح كافٍ في أن يستفز اليمن والقوى الوطنية لحماية أمنها القومي ومنفذها البحري بأي وسيلة.
وآخرها تصريح مجرم الحرب نتنياهو عن قلق كيانه من سيطرة أنصار الله على باب المندب، معتبراً ذلك أخطر من البرنامج النووي الإيراني.
المحور الثاني: الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية للخطر الصهيوني
- باب المندب: شريان الحياة الإسرائيلي بين التهديد والطمع
يعتمد اقتصاد الكيان الإسرائيلي بشكل كبير على الملاحة عبر باب المندب لنقل النفط الآسيوي والبضائع، وأي سيطرة صهيونية غير مباشرة على المضيق عبر قواعد في جزر إريترية أو صومالية تعني خنق اليمن استراتيجياً وتحويله إلى ساحة خلفية للعدو.
ولا ينفك العدو الصهيوني يحاصر اليمن من كل اتجاه، فيعمل على نسج العلاقات مع ما يسمى المجلس الانتقالي الذي أبدى استعداده للاعتراف بالكيان مقابل الدعم السياسي للانفصال، وتوظيف ميليشيات المرتزقة التابعة لدول العدوان في الساحل لحراسة المضيق الاستراتيجي لصالح الكيان الصهيوني.
- اليمن في مخطط "الشرق الأوسط الجديد": من التقسيم إلى التوطين البديل
تضم الوثائق الصهيونية-الأمريكية مقترحات لتقسيم اليمن إلى دويلات ضعيفة (مشروع الأقاليم) لتسهيل اختراقها، بل وطرح فكرة توطين اللاجئين الفلسطينيين في الأراضي اليمنية كجزء مما يسمى "صفقة القرن"، هذا يجعل الدفاع عن اليمن دفاعاً عن الهوية والقضية الفلسطينية معاً، وفي نفس الوقت الدفاع عن القضية الفلسطينية دفاع عن مصالح اليمن الوطنية وحماية أمنها ومقدراتها.
- تهديد الجزر اليمنية: قواعد خلفية للاستخبارات
يسعى الكيان الصهيوني، عبر حلفائه مثل الإمارات في سقطرى، وارتيريا إلى إنشاء منصات استخباراتية وبحرية في الجزر اليمنية، بهدف مراقبة تحركات القوى الوطنية اليمنية والاستعداد العمق العربي، هذه الجزر تمثل بوابة للالتفاف على اليمن وضرب خاصرته الاستراتيجية، وفي عام 2018، كشفت تقارير موقع "جاينز" البريطاني أن الإمارات أنشأت قاعدة عسكرية في جزيرة ميون المطلة على باب المندب، لكن الواقع أن دولة صغيرة مثل الإمارات لا يمكنها تحقيق ذلك دون دعم قدرات إمبراطورية استعمارية مثل الولايات المتحدة.
(وقبل أيام وتحديداً في 9 أبريل 2026 نشرت صحيفة لوموند الفرنسية تقريراً أن الإمارات بنت قاعدة عسكرية سرية في أرض الصومال لصالح الولايات المتحدة و"إسرائيل")
ورغم محاولات التغطية على الدور الأمريكي في الحرب على اليمن، فإن هدف التحالف الحقيقي هو تحقيق حلم أمريكي- إسرائيلي قديم بالسيطرة على باب المندب والجزر اليمنية في البحر الأحمر، وقد حذر من هذه الأطماع خبراء استراتيجيون عرب، على رأسهم المفكر المصري الراحل محمد حسنين هيكل، الذي أكد في حوار مع قناة الجزيرة مع بداية "عاصفة الحزم" أن أمريكا ستستغل الأوضاع في اليمن لإنشاء قواعد عسكرية في جزيرة ميون والجزر اليمنية الأخرى، مشيراً منذ عام 1972 إلى أن البحر الأحمر سيصبح أخطر جبهات الصراع مع العدو الإسرائيلي.
- الصراع على الموارد: نهب ثروات اليمن لدعم الكيان
تمتلك اليمن ثروات نفطية وغازية ومعادن متنوعة تشكل هدفاً استراتيجياً للكيان الذي يعاني من شح الموارد، دعم الكيان الصهيوني لما يسمى "المجلس الانتقالي الجنوبي" الانفصالي – الذي يعلن صراحة الاعتراف بالكيان حال الانفصال – يهدف إلى تمزيق اليمن للسيطرة على تلك الثروات بوساطة عملاء محليين، فالعدو الصهيوني يقوم اليوم باستغلال النفط والغاز الفلسطيني المغتصب ويرفد به خزانته ويمول به حروبه العدوانية في المنطقة.
- تطويق اليمن بالقواعد الصهيونية في القرن الإفريقي
أقام الكيان الصهيوني قواعد عسكرية واستخباراتية في إريتريا (جزيرة دهلك، حالب، فاطمة) منذ السبعينيات، بهدف تطويق اليمن من الغرب والجنوب، وتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة عسكرية إسرائيلية.
كما يمتلك الكيان الصهيوني قواعد عسكرية بحرية في جزر أرخبيل دهلك الإريترية -تحديداً جزر "ديسي" و"دهوم" و"شومي"- وفي مدينة مصوع الساحلية، إلى جانب محطة تنصت أعلى جبل إمبا سويرا الارتيري.
ومؤخراً عقد الكيان اتفاقاً لإقامة العلاقات مع إقليم أرض الصومال الانفصالي لإقامة قواعد تهدد اليمن، وهو ما نتج عنه إقامة العدو الصهيوني قواعد عسكرية في الإقليم حسب صحيفة لوموند الفرنسية كما سبق ذكره.
المحور الثالث: البعد الديني والثقافي للخطر الصهيوني – صراع وجودي لا سياسي
- الأساس القرآني: "أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود"
يستند الفهم الديني للصراع إلى قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}، هذا يضع الصراع في إطار عقائدي قبل أن يكون صراعاً على الأرض أو الموارد، كما يؤكد القرآن أن طاعة اليهود تنتهي بإعادة المؤمنين إلى الكفر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}، وفيما يتعلق بالمصلحة الدنيوية فإن القرآن الكريم يؤكد لكل من لا يزال يأمل خيراً من قبلهم أنهم لا يودون لكم خيراً، قال تعالى: "مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّل عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"، وغيرها من الآيات الكريمة.
- التلمود: مرجعية العنصرية والاستعلاء
التلمود ليس مجرد كتاب ديني، بل موسوعة فقهية وسياسية تشكّل العقلية اليهودية، ويحوي نظرة تحقيرية وعدائية تجاه غير اليهود، يصفهم بـ"الأميين" و"الأشرار"، ويحض على عدم التعامل معهم إلا بما فيه مصلحة اليهود، هذا الاستعلاء يترجم عملياً إلى سياسات تهجير وتطهير عرقي واحتلال وحصار وتجويع.
- "إسرائيل الكبرى" والمشروع التوسعي التوراتي
يتبنى اليمين المتطرف الإسرائيلي، خاصة في ظل الحكومات الحالية، مشروع ما يسمى "إسرائيل الكبرى"، الذي يستند إلى نصوص توراتية محرفة تدعو إلى توسيع حدود الكيان الصهيوني لتشمل ما تسمى "الأرض الموعودة" التي تمتد من "نهر النيل إلى نهر الفرات" (من التوراة: سفر التكوين 15:18، سفر الخروج 23:31)، هذا المشروع لا يقتصر على فلسطين التاريخية، بل يشمل أجزاء من الأردن وسوريا ولبنان ومصر والعراق والحجاز، بل ويهدد حتى دولًا بعيدة مثل اليمن، بسبب موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر وباب المندب، وهذا يستلزم تأمين الخاصرة الجنوبية لهذا المشروع باستهداف اليمن.
5- مشروع "الديانة الإبراهيمية": طمس للهوية وتمهيد للتطبيع
إلى جانب الأدوات العسكرية والسياسية، يعمل المشروع الصهيوني على اختراق اليمن -باعتباره جزءاً من المنطقة- عبر مشروع ثقافي-ديني يُعرف بـ"الإبراهيمية"، ويهدف إلى تجاوز خصوصية الإسلام واستبدالها بهوية هجينة تخدم السردية الصهيونية.
يستهدف هذا المشروع اليمن لعدة أسباب:
- الموقع الرمزي لليمن في المخيال التوراتي: مما يجعلها حلقة ضمن إعادة كتابة التاريخ الديني لصالح الرواية الصهيونية.
- طمس الهوية الإسلامية: عبر برامج "تعديل الخطاب الديني" و"محاربة التطرف" المموّلة أجنبياً، والتي تستهدف تحييد العلماء وخطباء المساجد، واستبدال مفاهيم "الولاء والبراء" و"جهاد العدو" بمناهج "المواطنة السلمية".
- تمهيد الطريق للتطبيع الثقافي: عبر مؤتمرات ما تسمى "حوار الأديان" التي تستقطب شخصيات دينية عربية لمنح شرعية أخلاقية للكيان.
- أطروحات فاضل الربيعي:
كرّس فاضل الربيعي جهوده لتقديم أطروحة مفادها أن جغرافية التوراة وأحداثها لم تكن في فلسطين بل في اليمن القديم، معتبراً أن "أورشليم" الحقيقية تقع في منطقة "دار سلم" قرب صنعاء، ورغم أن هذه الأطروحة مثيرة للجدل أكاديمياً، إلا أنها تحمل خطراً: يمكن توظيفها لمنح "شرعية تاريخية" بديلة للكيان الإسرائيلي في اليمن، لذا يجب على اليمن أن يقرأ هذه الأطروحات كتحذير إضافي.
المحور الرابع: فرص اليمن في حماية مصالحها الوطنية ومواجهة التهديدات الصهيونية
في ظل المشروع الأمريكي-الصهيوني الهادف إلى إعادة رسم خريطة المنطقة وتفكيك الدول الوطنية، وضعف الموقف العربي الرسمي إزاء جرائم الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، والتغول الصهيوني في دول الجوار (سوريا، لبنان)، فإن التهديدات التي تواجه اليمن لم تعد محتملة بل واقعاً محققاً: دينياً من خلال محاولات نشر ما يسمى "الديانة الإبراهيمية"، وجيوسياسياً عبر السيطرة على الجزر ومضيق باب المندب عسكرياً عبر التطويق بالقواعد العسكرية، واقتصادياً بنهب الثروات.
وإزاء هذه التهديدات، فإن اليمن – منذ ثورة 21 سبتمبر 2014 – انخرط في محور المقاومة تصدياً للمشروع الأمريكي-الصهيوني، بحكم الانتماء الإيماني للإسلام ثم للمشروع القرآني الذي أسسه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي (ر) ويقوده السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)، إضافة إلى الجغرافيا وروابط الدم ووحدة المصير مع شعوب المنطقة، وقد تجلى ذلك في مساندة طوفان الأقصى، وخوض معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، ثم في العدوان على إيران حيث أكد السيد القائد (يحفظه الله) موقف اليمن المبدئي بعدم الحياد، تلته أولى العمليات العسكرية اليمنية باستهداف الكيان الصهيوني.
بناءً على ما سبق، يصبح انخراط اليمن في محور المقاومة ضرورة وجودية وليس خياراً سياسياً، وذلك للاعتبارات التالية:
أولاً: المبررات الدينية والأخلاقية والقانونية
1- المبرر الديني:
يستند الموقف اليمني إلى نصوص قرآنية واضحة توجب نصرة المستضعفين وتحرم موالاة المعتدين:
- وجوب الجهاد دفاعاً عن النفس والمستضعفين: `{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ}`
- وجوب النصر للمؤمنين: `{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ}`
- النهي عن موالاة اليهود والنصارى والتحذير الشديد منها.
- الحديث النبوي الشريف: "من سمع منادياً ينادي يا للمسلمين ولم يجبه فليس من المسلمين"
2- المبرر الإنساني والأخلاقي:
- وجوب نصرة المظلوم بغض النظر عن دينه أو عرقه، استناداً إلى مبدأ تحريم الظلم في الإسلام.
- استناداً إلى القاعدة القرآنية: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}
3- المبرر القانوني:
- القانون الدولي الإنساني ومعاهدات جنيف تلزم المجتمع الدولي بمنع الإبادة الجماعية، واليمن هي الدولة الوحيدة التي اتخذت إجراءات عملية (عبر عمليات البحر الأحمر) لوقف العدوان على غزة، تطبيقاً لهذه المواثيق التي ظل المجتمع الدولي عاجزاً عن تنفيذها.
ثانياً: دواعي المصلحة الوطنية العليا
وفقاً للتهديدات الموثقة في المحاور السابقة (السيطرة على باب المندب، تقسيم اليمن، توطين اللاجئين، نهب الثروات)، فإن المصلحة الوطنية لليمن تقتضي:
1. الدفاع الاستباقي:
لا يمكن لليمن أن تنتظر حتى يتحقق الخطر على أراضيها، بل يجب التعامل مع المشروع الصهيوني كخطر وجودي يستوجب المواجهة قبل أن تستكمل أطرافه التطويق لليمن.
2. الردع الجماعي:
الانخراط في محور المقاومة يمنح اليمن قدرة ردع أكبر مما لو تحرك منفرداً، من خلال:
- تبادل المعلومات الاستخباراتية والخبرات العسكرية.
- توحيد ساحات القتال لتشتيت العدو.
- تعزيز الموقف التفاوضي للجميع.
3. تحقيق التوازن الاستراتيجي:
المواجهة المباشرة مع الكيان الصهيوني - عبر عمليات البحر الأحمر واستهداف أهدافه الحيوية - هي السبيل الوحيد لردعه ومنعه من تنفيذ مخططاته التوسعية تجاه اليمن.
4. تعزيز النفوذ الإقليمي لليمن:
أثبتت المعارك الأخيرة (طوفان الأقصى، الفتح الموعود) أن اليمن أصبح لاعباً محورياً في معادلة الصراع، وهذا يخدم مصلحته الوطنية بوضعه على خريطة القوى الفاعلة التي لا يمكن تجاهلها مستقبلاً.
الخاتمة:
تُثبت الوقائع التاريخية والتحولات الجيوسياسية والرهانات الدينية أن المشروع الصهيوني لم يكن ولن يكون بعيداً عن اليمن، بل استهدف اليمن منذ قرنين عبر الاحتلال، والتقسيم، ومحاولات التوطين، والتمركز في الجزر والمضائق، وفي ظل التهديدات المتجددة التي تشمل طمس الهوية بمشروع "الإبراهيمية"، والسيطرة على باب المندب، ونهب الثروات، لم يعد أمام اليمن سوى خيار واحد: الدفاع الاستباقي عن مصالحه الوطنية عبر الانخراط الفاعل في محور المقاومة، مستنداً إلى مرجعيته الدينية، وإيمانه بوحدة المصير مع شعوب المنطقة، وإدراكه أن الصمت أمام جرائم العدو يعني تمكينه من تنفيذ مخططاته التوسعية على أرض اليمن.
التوصيات:
بناءً على ما ورد في الورقة، يوصي الباحث بما يلي:
1. تعزيز القدرات العسكرية البحرية
لحماية السواحل اليمنية والجزر الاستراتيجية (ميون، سقطرى، كمران)، ومراقبة التحركات الصهيونية في القرن الإفريقي، والتصدي لأي محاولة لإنشاء قواعد معادية في الجزر اليمنية أو المجاورة لها.
2. ترجمة الانخراط في محور المقاومة إلى مشاريع أمنية وعسكرية مشتركة،
تشمل تبادل الخبرات والتقنيات الدفاعية (الصواريخ، المسيّرات، أنظمة الرادار)، وإنشاء خطوط إمداد مشتركة لمواجهة الحصار الاقتصادي.
3. توثيق الأطماع الصهيونية في المحافل الدولية
عبر ملف قانوني شامل يفضح محاولات السيطرة على باب المندب والجزر اليمنية، ومقاضاة الكيان الصهيوني وحلفائه (كالإمارات وإريتريا) دولياً بتهمة التخطيط للعدوان على السيادة اليمنية.
4. تحصين الهوية الدينية والثقافية لمواجهة مشروع "الإبراهيمية" عبر:
- مراجعة المناهج التعليمية والخطاب الديني لتعزيز مفاهيم "الولاء والبراء" و"الجهاد في سبيل الله تعالى".
- كشف منظمات المجتمع المدني المشبوهة التي تعمل تحت غطاء "التسامح" و"محاربة التطرف".
- مقاطعة أي مؤتمرات أو منصات تروّج للتطبيع الثقافي والديني.
5. بناء جبهة إقليمية داخل محور المقاومة لحماية البحر الأحمر،
عبر إنشاء آلية تنسيق دائمة (بحرية واستخباراتية) مع قوى المقاومة في المنطقة لحماية مضيق باب المندب من الوجود الصهيوني، مع احترام سيادة كل دولة.
6. إدراك أن لا حياد في مواجهة الخطر الوجودي، والاقتناع بأن الانخراط في محور المقاومة – الذي يثبت ميدانياً أنه القوة الوحيدة المتصدية للمشروع الصهيوني – هو الخيار الاستراتيجي الأكثر عقلانية لحماية اليمن، وليس خياراً أيديولوجياً فقط.
المصدر: نركز الدراسات السياسية اليمني