توقّف العديدُ من المحللين، وبينهم ذوو باع مرموق عالميًّا في القراءة والتحليل، أمام ما ذهبت إليه صحيفةُ "الغارديان" البريطانية في تحليل لها قبلَ أَيَّـام قلائل، قائلةً إن "إيران تحتفظ بأذرعها الأَسَاسية المتمثلة في مخزونها من اليورانيوم، ومضيق هرمز، والتداعيات الاقتصادية، بالإضافة إلى قدرتها على الرد..."، واستطردت بالقول أَيْـضًا إنه "مع مرور الوقت يزداد موقف إيران قوة، وقد أظهرت أن لا الخليج الفارسي ولا الاقتصاد العالمي يمكن أن يستقرا دون قرار إيران".

هذا القرار المشار إليه، الذي يستند إلى قاعدة صُلبةٍ من الإرث العقلاني والحكمة والنضج الثوري الإسلامي المؤطر بتدبير مؤسّسي راسخ الجذور وتجربة ثرية متمرسة في التعاطي الواثق المتماسك مع أعتى التحديات منذ قرابة الخمسين عامًا من الصراع والمقارعة لأعتى أشكال التربص والعدوان الأمريكية الغربية الصهيونية وشراكاتها العالمية المتواطئة وأدواتها الإقليمية المخدمة جيِّدًا لأجنداتها التخريبية التدميرية النشطة والمتصاعدة طيلة هذه العقود الطويلة وإلى اليوم في كُـلّ المجالات والمسارات العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والإعلامية والدعائية التي شهدت وتشهد هجمات وحملات مسعورة لا هوادة فيها، واجهتها إيران وما زالت بوثوق ورباطة جأش ويقين استراتيجي كاسر لكل موجودات جُعَبِ الأعداء من أعتى وأفتك الأسلحة صُلبِها وناعمِها!

ولا يصعُبُ على كُـلّ متأمل في ثنايا هذا المعترك الطويل ذي الامتدادات والأبعاد الإقليمية والدولية التي لا تخفى، لمحُ واحدة من أبرز السمات التي وسمت الأداءَ الإيراني الصبور والمقتدر والمتكئ على ركيزة عقائدية إيمانية جهادية راسخة تبلورت منذ الأيّام الأولى للثورة الإسلامية في إيران بقيادةِ الإمام الراحل المؤسّس آية الله روح الله الخميني (ر).

هذه السمة الاستراتيجية اللافتة الفارقة تتجسد اليوم تحديدًا في الفارق الجوهري بين تشارُكية الحكم والقرار في إيران وفردانية الطاغية الغوغائي الدموي المتخبط ترامب ودكتاتوريته التي تعبر عن نفسها بالمنطق الفرعوني (لا أريكم إلا ما أرى!).

نعم، فهنا في الجمهورية الإسلامية مؤسّسات شوروية "فاعلة" تتخذ القرار وتدير شؤون البلد في كُـلّ الظروف وشتى المجالات..

وهناك دكتاتور أشبهُ بـ"مَلِك" يستبد بكل شيء؛ ولذلك رأى العالم خروجَ ملايين الأمريكيين رافعين شعار ولافتات (لا للملوك..)، كما رأى في الآن ذاته سقوطًا مروعًا صارخًا لأهم شعارات الغرب وعناوينه التضليلية التدليسية الكاذبة، والتي لطالما تحَرّكت في مسارها الدعائي الممجوج المجوف تحت عنوان أو مزعوم "الديمقراطية"! هذا المفهوم المهترئ المتآكل، والذي شبع منه "العث" وأضحى رميمًا وترابًا من كثرة الكذب به والدجل على الشعوب المضحوك عليها والمستغفلة، وأولها بالطبع شعوب أمريكا والغرب الأُورُوبي! بينما تُوصم دول التشاركية المؤسّسية الحقيقية والفاعلة والضامنة بين أنظمتها وحكوماتها وبين شعوبها (كحال إيران) بذلك الداء الذي هو داء الواصمين أنفسهم، بل تُتهم وتوصف بأقذع الصفات من قبل هؤلاء الدجالين الكذابين المهيمنين القتلة، لأنها فقط تأبى الانصياع والإذعان لإملاءاتهم والامتثال لهراواتهم الغليظة!

ويكفينا هنا شاهدًا داحضًا لإفك وتضليل هؤلاء الأفَّاقين أن نرى الحشود الشعبيّة الملايينية الإيرانية المرابطة دون انقطاع منذ ستين يومًا في المدن والساحات بطول إيران وعرضها الشاسعين، ملتحمةً بموقف دولتها ونظامها الإسلامي في المواجهة المصيرية الرادعة للعدوان، وكذلك ما بلغته حملةُ (الفداء لإيران)؛ إذ يربو العددُ على 31 مليون مواطن إيراني؛ أيْ أكثر من ثُلُث نفوس الشعب الإيراني، ولو حسبنا أن الثلثين الباقيَّين هم أطفال ومسنون وعَجَزَة ومرضى ومعوقون وما من هذا القبيل أَو ذاك، سنجد أن الرقمَ المذكورَ الموصولَ إليه في الحملة ذات الدلالات المهمة المختلفة يكادُ يكونَ مستوعبًا للشعب الإيراني بمجمله تقريبًا، وفي الحد الأدنى لأغلبه الساحق..

فأين ذلك من هُراءات ترامب وهذيانه وتضليله وكذبه الغوغائي الساقط؟!