ليست كُـلّ حالات السكون سواء، ولا يمكن الحكم على كُـلّ من لم يتحَرّك بأنه متخاذل أَو عاجِز ابتداءً، فهناك فرق منهجي بين من ينسحب بحثًا عن مبرّر، وبين من يواجه محدودية القدرة مع استمرار السعي.

هذا التمييز ضروري لفهم التجارب التاريخية، خُصُوصًا عند استحضار موقف بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله، حَيثُ لم يتحول إلى حالة صمت، فقد استمر في أداء وظيفة البيان والتذكير، محافظًا على حضور الفكرة داخل وعي الأُمَّــة، رغم غياب الحاضنة الكافية للتحَرّك السياسي.

هذا السلوك يكشف أن عدم القدرة على التغيير الشامل لا يعني سقوط المسؤولية بالكامل، بل يعيد توجيهها إلى مستويات أُخرى من الفعل: الكلمة، التوعية، حفظ المرجعية، وبناء الوعي التراكمي، غير أن هذه الحالة تفتح إشكالًا أعمق يتعلق بطبيعة المجتمع نفسه، وهل غياب الأنصار يُعد عذرًا شاملًا أم مؤشرًا على خلل بنيوي في وعي الأُمَّــة.

المسألة لا تتعلق بالعالِــــــم وحدَه، إنما بعلاقة تبادلية بينه وبين المجتمع، فالنص القرآني في يقرّر بوضوح أن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف عام لا يسقط عن أحد وإن تفاوتت درجاته، وبالتالي فإن اختزال هذه الوظيفة في فئة محدّدة، ثم تحميلها كامل المسؤولية، يعكس خللًا في فهم طبيعة التكليف، وفي المقابل لا يمكن إعفاء العالم من موقعه المركزي، فالتصورات التراثية كما تُنسب إلى تؤكّـد أن العالم لا يملك هامش الانسحاب تحت ضغط الخوف أَو المصلحة؛ لأن العلم ليس امتيَازًا بل التزاما مضاعفًا، ما يجعل تقصيره أكثر أثرًا وخطورة لارتباطه المباشر بتوجيه وعي المجتمع.

الإشكالية تتفاقم حين تنشأ حالة من التهادن المتبادل، حَيثُ يخفف العالم من حدة المواجهة؛ بسَببِ ضعف الاستجابة، بينما يبرّر المجتمع سكونه بغياب التحريك، وهذه الحالة لا تنتج توازنًا بقدر ما تخلق فراغًا، والفراغ في المجال الاجتماعي لا يبقى محايدًا فقد يُملأ بقوى أكثر فاعلية، غالبًا في اتّجاه معاكس، فيتحول إلى تمدد لأنماط متعددة من الانحراف، من تفكك قيمي واختلال اقتصادي وتشوه فكري وتراجع في الحس الجماعي، وهذه النتائج لا تبقى محصورة في فاعليها المباشرين بل تتحول إلى عبء أخلاقي عام تتوزع مسؤوليته على الجميع.

المشكلة الأكثر عمقًا لا تكمن في غياب الحلول الكبرى بقدر ما تكمن في تعطيل الأفعال الممكنة؛ إذ إن المواجهة لا تتطلب دائمًا أدوات معقدة أَو ظروفًا مثالية، فهناك مستويات دنيا من الفعل تظل متاحة في معظم السياقات مثل التعبير عن الموقف، وبناء الوعي، والضغط الاجتماعي، والمقاطعة الاقتصادية، أَو حتى الامتناع الواعي عن الانخراط في مسارات خاطئة، وإهمال هذه الأدوات لا يحافظ على الواقع بل يفتح المجال لتراكم تأثيرات معاكسة، ويحول العجز الجزئي إلى سكون كلي غير مبرّر.

وعند إسقاط هذا الإطار على الواقع اليمني المعاصر، حَيثُ العدوان والحصار، تتضح الصورة بشكل أكثر حدة؛ إذ يصبح التمييز بين من يؤدي دوره في التوعية والتحريك والصمود، وبين من يبرّر سكونه تحت عناوين عامة، مسألة ذات أثر مباشر على مسار المجتمع، ففي الوقت الذي تستمر فيه بعض الأصوات في أداء دورها، نجد أُخرى تتخذ من غياب الاستجابة الكاملة عذرًا للتراجع، أَو تختزل الفعل في حدود ضيقة لا تعكس حجم التحدي، مع أن الأدوات الممكنة لا تزال قائمة، سواء في الموقف أَو الكلمة أَو المقاطعة أَو بناء الوعي العام، ومع استمرار العدوان، فإن أي فراغ في هذا السياق لا يُنتج حيادًا بل يُسهم في تعزيز تأثير الخصم، ما يجعل السكون هنا ذا كلفة مضاعفة.

وفي قضايا الأُمَّــة الكبرى، تتكرّر نفس الإشكالية، حَيثُ تتوفر أدوات الفعل لكنها لا تُستخدم بالكفاءة المطلوبة، فتظل المبادرات متفرقة، والتأثير محدودًا، وتتسع الفجوة بين الإمْكَان والواقع، وهو ما يعيد التأكيد على أن المشكلة ليست دائمًا في غياب القدرة، بل في ضعف تفعيلها ضمن حدود الممكن، وهنا تبرز أهميّة العودة إلى المرجعية الحاكمة المتمثلة في، لا بوصفه إطارًا وعظيًّا فقط، أيضًا هو معيار لتحديد المسؤولية، حَيثُ يُقاس أداء الإنسان بما قام به ضمن حدود قدرته، لا بما برّره أَو تمناه، فالمسؤولية لا تُلغى بضعف النتائج بل بغياب الفعل.

والخوف الذي ينبغي أن يعيد ترتيب الأولويات ليس الخوف من الضغوط المؤقتة، إنما من العاقبة، لأن كُـلّ التهديدات الدنيوية تبقى محدودة، بينما العاقبة الأخروية تمثل الامتداد الذي لا ينقطع، ما يجعل مسألة القيام بالواجب ضمن الممكن قضية مصير لا مُجَـرّد خيار أخلاقي، وعليه فإن الإشكال لا يكمن فقط في توفر القدرة بل في الاستجابة لها، حَيثُ يبقى العالم مطالبًا بالبيان والمواجهة، والمجتمع مطالبًا بالمبادرة والتفاعل، وأي انفصال بين هذين المسارين يوسع دائرة التقصير ويحول الأعذار إلى غطاء للجمود.

في ضوء ذلك، لا يعود السؤال المركزي هو هل نحن معذورون، بل ما الذي قمنا به فعليًّا ضمن ما هو متاح، لأن الإجَابَة عن هذا السؤال هي التي تحدّد ما إذَا كان السكون ضرورة فرضتها الظروف، أم خيارًا جرى تسويغه بلغة العذر، بينما تتراكم نتائجه في الواقع وتتحول إلى مسؤولية لا يمكن التنصل منها.