{الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أولياء الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا}

​الطاغوت هو كُـلّ شيء جاوز المقدار والحد؛ فإذا تجاوز الإنسان الحد، وعلا في الأرض، وراح يفسد فيها، ويستعبد الناس ويسلبُهم حقوقَهم، ويحرمهم ثمراتِ الأرض وخيراتِها؛ فذلك هو القتالُ في سبيل الطاغوت الذي ندّد به اللهُ وجعله شعارًا للكفار، كما كان فرعون يفعل ذلك، فأمر الله موسى بالذهاب إلى فرعون، فقال سبحانه: {اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏}.

ولهذا أهلكه الله فانتقم منه ومن قومه، قال سبحانه: {فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ}.

​وفي عصرنا هذا، نرى الصهيونية بقيادة ترامب الذين أتوا لحصار الشعب الفلسطيني والجمهورية الإسلامية في إيران وقتال المسلمين، يعيثون في الأرض فساد، فالقتال في سبيل الطاغوت هو شعار الكفار، وَإذَا لم يتخلوا عنه فسيقعون في نفس المصير الذي وقع فيه المفسدون في الأرض.

أما القتالُ في سبيل الله فهو الذي غايتُه أن يسودَ العدلُ ويرتفعَ الظلمُ عن المظلومين، دون أن تكون هناك نيةٌ للعلو والفساد في الأرض: {تِلْكَ الدَّارُ الآخرة نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرض وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

​فالإسلام والمسلمون جهادُهم وقتالُهم لتكون كلمة الله هي العليا في عصرنا هذا، ولرفع الظلم عن المظلومين في فلسطين وغيرها؛ كما كان يصنع سلف هذه الأُمَّــة في جهادهم، فالأمة الإسلامية منتدبة لرفع الظلم عن الأفراد والجماعات كافة، بقطع النظر عن ألوانهم وأجناسهم، فعليهم أن يعلنون الجهاد كما أعلن محور المقاومة ضد الصهيونية؛ لقتلها عشرات الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ، فرفع الظلم والجهاد في سبيل الله هو ديدن الإسلام والمسلمين منذ فجر الإسلام.

​وأكبر شاهد على ذلك ما جاء في شهادة المؤرخين الغربيين؛ أن المسلمين انتشروا يبلغون الدعوةَ الإسلامية، ويقتبسون ما صادفوه من العلوم في البلاد التي فتحوها ويضيفون عليها.

وساعدهم على ذلك أمراؤهم حتى انتقلت إليهم الخلافةُ بعد اليونانيين والرومانيين، وزادوا في مواد العلوم فيما اكتسبوه في الطب والعلوم والرياضيات... إلخ.

​وهذا العلامة (در يبر) المدرس في جامعة نيويورك في كتابه (المنازعة بين العلم والدين) يقول: "إن اشتغال المسلمين بالعلم يتصل بأول عهدهم باحتلال الإسكندرية سنة ٦٨٩م، ولم يمضِ ذلك عليهم قرنًا حتى استأنسوا بجميع الكتب اليونانية، وقدَّروها قدرَها الصحيح، ولما آلت الخلافةُ إلى المأمون سنة ٨١٣م صارت بغداد العاصمةَ العلميةَ العظمى في الأرض، فجمع إليها الخليفة كتبًا لا تُحصى، وقرَّب إليه العلماء وبالغ في الحفاوة بهم".

​وهذا العلامة (سديو) في كتابه (تاريخ العرب) يقول: "كان المسلمون في القرون الوسطى متفردين في العِلم والفلسفة والفنون، وقد نشروها أينما حلت أقدامُهم، وتسرَّبت عنهم إلى أُورُوبا فكانت سببًا في نهضتها".

هذا بعضُ ما يقوله علماء أمريكا وأُورُوبا الذين لا يصح اتّهامهم، ونحن؛ إذ نشير إلى ذلك لندلل على أن الإسلام في حروبه وقتاله إنما أراد الخير والعزة للبشرية، ولم يسلكوا مسلكَ الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت، فيقتلون الأبرياء، ويفسدون في الأرض كما أفسد من قبلهم.

فهل يا ترى يستيقظُ العلماء في أمريكا وأُورُوبا عن تجاهل البينات من الإفساد في الأرض؟ لأنهم إن لم يفعلوا ذلك ويوقفوا الصهيونية عن تماديها في الإفساد سيعودُ عليهم ذلك بالنكال والوبال، ونامل أن تكونَ المظاهرات التي الذي بدأت في الأيّام الماضية في أمريكا وغيرها بدايةَ صحوة يتم فيها الإنكار على ما تقوم به الصهيونية من الإفساد في الأرض: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرض فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الأرض وَعَمَرُوها أكثر مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أنفسهُمْ يَظْلِمُونَ}.

​إن المسلمين في كافة الأرض معنيون بقتال هؤلاء الذين جاءوا ليحاصروا الجمهورية الإسلامية في إيران وفي فلسطين ولبنان والعراق واليمن.

إن أصحاب الهمم العالية لا تعيقهم أحداثُ الماضي ولو كانت كبيرةً، ولا تثنيهم العراقيل ولو كانت كثيرة.

فالمؤمنون حقًا يتطلعون للمعالي، وينهضون بهمة وعزيمة، مستعينين بالله، فالنصر مع الصبر.

فيا ساسةَ الأُمَّــة الإسلامية لا تسمحوا بظلم فلسطين ومحاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران، لا تسمحوا لبلطجة الصهيونية بمحاصرة أرضكم، وليست صناعة القنبلة النووية وقفًا على رضا أمريكا التي استخدمتها في اليابان، وقد أمر الله المسلمين بإعداد القوة للأعداء: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}، فهل بقي معنا أبلغ من هذه الآية؟

فالليل الذي جاءت به الصهيونيةُ سينجلي:

​فـمـا لـيـلٌ يـدومُ بـغـيرِ فـجـرٍ *** ولا فـجـرٌ يـشـقُّ لـهُ نـقـابُ

ينال المجد من أمضى بحزم *** لأن العمر موجزُه ذهاب

سيذكرك الزمان بكل حزم *** إذَا ما حَـلّ في الأرض الغياب

​فالدهر ذو غِيَر وتصاريفُه كثيرة، فمن شحذ همتَه وعزيمتَه وبادر إلى الجهاد كان النصر حليفَه: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ من حَيثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْرًا}، وفي التوكل على الله قوة وعزة.

​فالصدق يظهر للأبصار بهجته *** وبالمرارة يستجلى لنا الكرب

لولا الظلام لما اشتاقت نواظرنا *** للفجر حين يشق الليل يا عرب

من ظن أن المعالي نبت مترفة *** أضله العجز واستهوى به العطب

ولعل القارئ يدرك إن استحضارنا لشهادات بعض المؤرخين الغربيين حول نهضة المسلمين العلمية ليس مُجَـرّد تغنٍّ بأمجاد الماضي، وإنما هو تذكيرٌ بأن عمارة الأرض بالعلم كانت الوجهَ الآخرَ للجهاد في سبيل الله.

فالمسلمون لم يفتحوا البلاد ليسودوا بالبطش، وإنما لتكون كلمة الله هي العليا وليحرّروا العقولَ بالمعرفة؛ فكان الطب والرياضيات والفلسفة سلاحُهم لنشر العدل وتحسين حياة البشرية في مختلف مجالات الحياة.

​واليوم، وفي ظل تغوُّلِ الطاغوت الذي يستخدمُ التكنولوجيا وسيلةً للحِصار والإبادة، يصبحُ امتلاكُ ناصيةِ القوة التقنية والعلمية – وعلى رأسها القوة الردعية التي تمثّلها الطاقة النووية – ضرورةً شرعية ووجودية.

فليس من المنطق أن يظلَّ العلمُ حِكرًا على من استخدمه في (هيروشيما) لإبادة الأبرياء، بينما يُحرَمُ منه من يسعَى لحماية المظلومين في فلسطين ولبنان واليمن.

إن إعدادَ القوة الذي أمر به اللهُ في قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}، يبدأ من المختبرات وينتهي بالميادين، ليكون العلم دِرعًا يمنع بلطجةَ الصهيونية، ويضمن ألا يعلوَ صوتُ الطاغوت فوق صوت العدل.

​ألا فانهضوا للجهاد في سبيل الله، واستنهضوا الهمم على الإقدام والحزم والجِد والتشمير؛ مِن أجلِ إعلاء كلمة الله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}.

ليست الغاية من النصر الذي وعدكم اللهُ به توسُّعًا في المُلك كما تفعل الدولُ المستعمِرة، ولا وضع اليد على منابع الثروات، ولا علوًّا واستكبارًا في الأرض،

وإنما مِن أجلِ إزالة الظلم وإقامة العدل الذي هو أسمى مقصد، فمن غضب لله غضب اللهُ له.

​كم غضبةٍ ذاق الفتى *** كانت إلى الفوز الرضا

والعسر مهما زاد *** فاليُسرُ القريبُ له أضاء

فاللطف يأتي خُفيةً *** في طي كربٍ قد قضى

والصبر يورث مِنحةً *** تُنسِي العناءَ المُمرِضا

رَبٌّ رحيم ستره *** غطى الجوانح والفضاء

فأحمدُ بديعَ صنيعِه *** فالخير فيما قد قضى

​إن النصر قادم: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرض يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ} وذلك لعمارتها وتسيير الحياة الكريمة الطيبة فيها: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرض أم نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

 

* عضو رابطة علماء اليمن