بين ركام الزيف وضجيج الشعارات التي تملأ الأفق، يبرز سؤال وجودي يطرق أبواب الوعي: ماذا يعني أن تحمل الحق؟ إن الحق ليس معلومة تُخزن، ولا جملةً منمقة تُقال في المحافل، إنما هو أمانة تنوء بحملها الجبال، ومسؤولية أخلاقية تلاحق صاحبَها في خلوته وجلوته.
إن السعي لنشر الحق وإيصال الفكرة القرآنية ليس ترفًا فكريًّا، بل هو معركة يقودها الإنسان ضد ذاته أولًا، ليثبت جدارته بتمثيل هذا المنهج الإلهي.
غرم المعرفة وعظمة المسؤولية
حين يلامس نور الحق قلب الإنسان، فإنه يدخل تلقائيًّا في ميثاق غليظ مع الخالق ومع البشرية.
إن امتلاك الحقيقة ليس امتيَازا بقدر ما هو تكليف شاق؛ فالحق الذي تحصل عليه يصبح حجّـة عليك قبل أن يكون حجّـة لك.
المسؤولية هنا مضاعفة؛ فهناك مسؤولية التبليغ بإيصال الفكرة بنقائها، ومسؤولية التجسيد بأن يكون حامل المشروع القرآني هو النسخة المتحَرّكة لهذا المنهج.
إن الإثم المرتبط بالتقصير في إيصال الحق لا يتوقف عند حَــدّ الكتمان، بل يمتد ليشمل التشويه السلوكي؛ فمن يحمل راية القرآن ثم يسلك مسلكًا يتنافى مع قِيَمه، يضع عائقًا أمام الناس لرؤية الحق، ويصبح صدًّا عن سبيل الله بغير قصد.
الحق كفعل لا كترنيمة
لطالما عانت المشاريع الكبرى من أُولئك الذين يتغنون بالقيم وهم أبعد ما يكونون عنها.
إن المشروع القرآني لا يعترف بـ الانفصام النكدي بين القول والفعل، فالحق ليس عبارات تُنشد، إنما هو سلوك ينعكس على الواقع.
إن أبلغ وعظ للناس هو الذي يراه الناس في عينيك حين تغضها، وفي يدك حين تترفع عن الحرام، وفي قلبك حين يمتلئ بالصدق.
من يحمل هذا المشروع العظيم يجب أن يدرك أن أفعاله هي التي تمنح أقواله الشرعية والقبول، فالمجتمع لا يتبع الفصاحة بقدر ما يتبع الاستقامة.
إذَا لم يغيّر القرآن أخلاق حامله، فإنه لم يجاوز تراقيَه، ويتحولُ إلى عبء على الأمة بدلًا من أن يكون رافدًا لها.
الدستور الأخلاقي داخل صف الوعي
لا يمكن لمن يحمل مشروعًا يهدف لإنقاذ البشرية أن يكون فظًا غليظ القلب مع رفاق الدرب.
إن قاعدة رحماء بينهم هي العمود الفقري لتماسك جبهة الحق.
إن التعامل بالرحمة ليس ضعفًا، إنما هو قمة القوة النفسية والارتقاء الإيماني.
والمؤمن الحريص على الحق هو الذي يرى في أخيه سندًا لا منافسًا، ويبحث عن تكامل الجهود لا عن تصيد العثرات.
إن نصرة الحق تبدأ من تماسك الصف الداخلي، فالحق الذي لا يسنده التراحم والتعاطف بين أهله هو حق موحش ينفر الناس منه.
إن الروح الأخلاقية هي التي تمنح المشروع القرآني جاذبيته السحرية، وهي التي تحول الكتلة البشرية إلى بنيان مرصوص.
كن أنت الحق الذي تدعو إليه
إن المعركة اليوم ليست معركة نصوص، بل هي معركة نماذج.
العالم لا يحتاج إلى مزيد من الكتب بقدر ما يحتاج إلى رجال ونساء قرآنيين في تعاملاتهم، في صدقهم، وفي تضحيتهم.
أن تكون حريصًا على نصرة الحق يعني أن تحترق لتضيء، وأن تدرك أن كُـلّ كلمة تخرج من فمك يجب أن يصدقها فعلك.
المسؤولية كبيرة، والثمن باهظ، لكن الجزاء هو الخلود في ذاكرة الحق وفي رضوان الله..
فهل نحن بمستوى هذا الحمل؟