​في لحظة تاريخية فارقة أعاد شهيدُ القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوانُ الله عليه) صياغةَ الوعي الجمعي للأُمَّـة الإسلامية، من خلال دروسه وملازمه ومحاضراته، ومن ضمنها ملزمة الدرس السابع "عظمة الله" متجاوزًا التفسيراتِ التقليديةَ الجامدة ليرسمَ مسارًا سياسيًّا وثقافيًّا يستمد قوته من أسماء الله الحسنى {السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ}.

إن الجوهر التحليلي الذي قدمه شهيد القرآن يرتكز على حقيقة كبرى مفادها أن الله سبحانه هو من سمَّى نفسَه "السلام" وجعل جنتَه "دارَ السلام" وأمر عبادَه أن يدخلوا في السِّلْمِ كافةً ولا يتبعوا خطوات الشيطان التي تقود دائمًا إلى الخسارة؛ فالسيادة القرآنية تقتضي أن يكون السلام مرتبطًا بالعزة لا بالخنوع.

ومن هنا يفكّك شهيدُ القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) منطقَ التبعية العمياء والمخاوف النفسية، معتبرًا أن الخوفَ من القوى العظمى كأمريكا وغيرها إنما هو نتاجُ خلل في إدراكنا لمعنى قيُّومية الله وعظمته ومفهوم الهيمنة الإلهية؛ إذ يقول "{الْمُهَيْمِنُ} على كُـلّ شيء فكيف تخاف وكيف ترهب ممن هم تحت هيمنته!! أليس هو مَن اللهُ مهيمنٌ عليه؟ فما هو إلا ذرةٌ من ذرات هذا الكون".

هذا الربطُ العميقُ يحوّل العقيدة إلى حصانة ضد الترهيب الأمريكي ويجعل من يبحث عن السلام لدى أعدائه كمن يستجيرُ من الرمضاء بالنار.

​لقد وضع شهيدُ القرآن حدًّا فاصلًا بين "السلام" كقيمة إسلامية عليا و"الاستسلام" الذي يحاول العدوُّ الأمريكي والإسرائيلي فرضَه اليوم على الأُمَّــة؛ فالسلام الذي يريده الأعداء هو سلام "نزع السلاح" وكسر إرادَة حركات الجهاد والمقاومة في لبنانَ وغزةَ وفرض شروط الاستسلام التي تجرد الشعوبَ من كرامتها ووسائل دفاعها.

ويظهر هذا الزيفُ بوضوح في جرجرة حكومة لبنان إلى اتّفاق مذلٍّ لكل اللبنانيين ويشكل خيانةً عظمى لحزب الله وتضحيات الشهداء والمهجَّرين، وفي المقلب الآخر المشهدُ في سوريا، حَيثُ نرى سيطرةَ جيش العدوّ الإسرائيلي وتوسُّعَه دون أدنى ردة فعل من الجماعات التي تدَّعي فرضَ وجودها هناك؛ مما يثبت أن السلامَ الأمريكي الإسرائيلي ليس إلا غطاءً للسيطرة والاحتلال.

ويرى السيدُ حسين (رضوان الله عليه) أن هذا هو عينُ الوهن، موضحًا أن "السلام لا يتحقّق لك إلا إذَا كنت في موقف عزة وقوة ومكانة، أما أن تأتي تبحث عن السلام وأنت تحت فإنما هو استسلام".

ومن بصيرته النافذة ينفذ إلى أعماقِ الصراع، معتبرًا أن السلام الحقيقي هو الذي يفرض القدرةَ على الردع لا الذي يُستجدَى من موقع الضعف؛ لأن العدوّ لن يمنح إلا "دوسًا بالأقدام" وإذلالًا لمن ألقوا آلةَ الحرب وألغوا اسمَ "الجهاد" من قاموسهم.

​وهنا تبرُزُ الرؤيةُ القرآنية لشهيد القرآن في تعريفه لمفهوم "الإسلام" الذي أراد له الأعداءُ أن يكون مرادفًا للرضوخ، مؤكّـدًا أن الإسلام هو دين السلام القوي الذي يجعلُ الأُمَّــةَ هي من يسعى الآخرون لطلب السّلْم منها؛ استجابةً للتوجيه الإلهي {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ}.

إن المنهجيةَ القرآنيةَ تقدّمُ حَلًّا جذريًّا للأُمَّـة فإما أن تعودَ عودةً صادقةً إلى "المهيمن" لننالَ عزةَ الهيمنة في الواقع، وإما استمرارُ في تِيه "الاستسلام" الذي لا يورثُ سوى الذل والشقاء والخزي في الدنيا والعذاب والهوان في الآخرة.