حين تتحول أعظم شعيرة إيمانية جامعة للأُمَّـة إلى موسم جباية، ومقننات، وإجراءات معقدة، وأسعار فلكية، فإن السؤال المشروع يفرض نفسه بقوة:

هل المشكلة في ضيق المكان، أم في ضيق الإرادَة والرؤية وإدارة الحشود؟

العراق، الذي عاش سنوات من الحروب والحصار والإرهاب والانقسام، يستقبل سنويًّا ملايين الزائرين لمقام الإمام الحسين -عليه السلام-.

يفتح لهم الطرقات والمواكب والبيوت والقلوب.

يأكل الزائر ويشرب وينام ويتنقل مُكرَّمًا معززًا دون أن يمد يده لدفع فلس واحد.

هناك شعب كامل يتحول إلى خادم لزوار الحسين.

الدولة والشعب والمجتمع والقبائل والمؤسّسات يتسابقون على شرف الضيافة.

ولم نسمع أن العراقَ أغلق الأبوابَ بحجّـة الزحام، ولم نرَ تسعيرات فلكية، ولا مزادات للحجوزات، ولا طبقية في أداء الشعائر.

في المقابل، نجد أن الحج إلى بيت الله الحرام، الذي جعله الله مثابةً للناس وأمنًا، بات محاطًا بطبقات من القيود والإجراءات والأسعار الباهظة، حتى أصبح الفقير يحلم بالحج كما يحلم بالمستحيل.

كل عام تظهر مبرّرات جديدة:

مرة كورونا، ومرة الإنفلونزا، ومرة الطاقة الاستيعابية، ومرة التنظيم، بينما الحقيقة التي يراها الناس بأعينهم أن الحج تحول في كثير من تفاصيله إلى مشروع اقتصادي ضخم تُدار حوله مليارات الدولارات.

المفارقة الصادمة أن العراق يستقبل أعدادًا هائلةً من الزوار، رغم ظروفه الأمنية والاقتصادية المعقدة، دون أن نشاهد انهيارًا شاملًا أَو فوضى إعلامية منظمة، بينما تتكرّر في السعوديّة حوادث الرافعات والجسور والتدافع والإغلاقات، رغم الإمْكَانيات الهائلة والتقنيات الحديثة والموازنات المفتوحة.

يخرُجُ من يحاولُ إقناعَ المسلمين بأن المشاعرَ المقدَّسةَ لم تعد تتسع، وكأن الذي فرض الحجَّ -سبحانَه- لم يكن يعلم عدد البشر الذين سيأتون بعد قرون طويلة.

إن إدارة الحشود علم، لكن توظيف هذا العلم لتحجيم الشعائر وتحويلها إلى امتيَاز خاص بالأثرياء قضية أُخرى تمامًا.

فالبيت الحرام ليس شركة استثمارية، وليس موسمًا سياحيًّا للنخب، هو قبلة للمسلمين جميعًا:

الغني والفقير، العربي والأعجمي، الضعيف قبل القوي.

ما يحدث اليوم يطرح تساؤلات عميقة حول فلسفة إدارة الحج:

هل المطلوب خدمة الحجيج أم إدارة الأرباح؟

هل الغاية تسهيل الوصول إلى بيت الله أم تحويل الطريق إليه إلى متاهة مالية وإدارية معقَّدة؟

ولماذا يشعر المسلمُ البسيطُ أن الحَجَّ بات أقربَ إلى مشروع تجاري مغلَق منه إلى عبادة جامعة للأُمَّـة؟

إن الأُمَّــةَ التي ترى ملايين البشر يُطعَمون مجانًا في كربلاء، بينما يعجزُ كثيرٌ من المسلمين عن الوصول إلى مكة؛ بسَببِ الكلفةِ الباهظة، ستبدأ حتمًا بطرح الأسئلة المؤلمة:

أسئلةٌ تتعلَّقُ بالأولويات، وبمعنى خدمة الدين، وبالفرق بين من يعتبر الزائر ضيفًا يجبُ إكرامَه، ومن يعتبره رقمًا في قائمة الرسوم والجبايات.

وسيظل السؤال قائمًا:

إذا كان أبناءُ العراق، بقدراتهم المحدودة، استطاعوا تحويلَ زيارة الإمام الحسين -عليه السلام- إلى ملحمة كرم إنساني مدهشة، فكيف تعجز أغنى دولة نفطية في العالم عن جعل الحج أكثر يُسرًا ورحمةً وعدالة للمسلمين؟

إن تعظيمَ الشعائر بفتح الأبواب أمام الناس، وتخفيف الأعباء عنهم، وصون قدسية الفريضة من عقلية السوق والاستثمار، ولا يكونُ بالأبراج والفنادق الفاخرة وحدَها.

لأن اللهَ -سبحانه وتعالى- حين دعا الناس إلى الحج قال:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾

ولم يقل: وأذِّنْ في القادرين ماليًّا فقط.