يأتي العيدُ في أزمنةِ الخِذلانِ ليغدوَ اختبارًا للضمائرِ وميزانًا للقيم، وبينما يغرقُ العالمُ في غفلةِ المظاهر، ينهضُ اليمنُ العزيزُ ليقدمَ للعالمِ صياغةً استثنائيةً للعيد، تُكتبُ بمدادِ الكرامةِ لا بحبرِ الترف.
إننا اليومَ نعيشُ ملحمةَ طهرٍ وتجلٍّ، حَيثُ تصبحُ الجبهاتُ محرابَ العبادةِ الأسمى، وتغدو البنادقُ قناديلَ العزةِ التي تفتشُ عن نورِ الحريةِ في ليلِ القهرِ الاستكباري المطبق.
إنَّ فلسفةَ العيدِ في مدرسةِ الجهادِ تتجاوزُ حدودَ العاداتِ لتصلَ إلى غاياتِ الوجودِ الإنسانيِّ الكريم، فاللهُ جلَّ وعلا يقول: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"، ومن هذا النبعِ القرآنيِّ الصافي استقى أبطالنا بأسهم، فصاروا في الخنادقِ أزكى نفوسًا، وأعظم تضحيةً، وأصلبَ عودًا.
إنَّ هؤلاءِ المرابطين هم حراسُ الفطرةِ الإنسانية، وهم الذين أحالوا دويَّ القذائفِ إلى تسابيحَ تُزلزلُ عروشَ الطغاة، وباتت بنادقُهم شواهدَ على أنَّ العزةَ للهِ ولرسولِهِ وللمؤمنين، وأنَّ ما دونَ ذلك هباءٌ منثورٌ أمامَ إرادَة الشعبِ الذي أبى الضيمَ واختارَ طريقَ العزةِ الأبدية.
إنَّ حشودَنا اليومَ في الميادينِ والجبهاتِ هي التجسيدُ الحقيقيُّ لمعنى الانتماء، وهي الردُّ الأبلغُ على كُـلّ خوارٍ وفشل.
وفي كُـلّ يومٍ نكتشفُ أنَّ عظمةَ اليمنِ في إنسان المكانِ الذي لا يقبلُ بغيرِ الكرامةِ بديلًا، وليست في جغرافيا المكان.
إننا ماضون تحتَ رايةِ الهدى، مستمدين من نهجِ النبي محمد، صلى الله عليه وآله وسلم وأهلِ بيتهِ الأطهار، كُـلَّ معاني الشموخ، واثقين بأنَّ اللهَ ناصرُ عبادهِ الصابرين، ومؤيدُ جندهِ المرابطين.
كُـلّ رصاصةٍ تُطلقُ في سبيلِ اللهِ هي ترنيمةُ عيدٍ في أذنِ الأُمَّــة، وكلّ قطرةِ دمٍ هي قنديلٌ يضيءُ دروبَ الأجيال القادمة.
فسلامٌ على العيدِ الذي يجمعنا على التضحية، وسلامٌ على الجبهاتِ التي تصيغُ بدمائنا حروفَ الحريةِ في كتابِ التاريخِ الخالد، وكلُّ عامٍ ونحنُ للهِ أقرب، وبالنصرِ أحرى، وفي ميدانِ الحقِّ أثبت وأمضى.