​{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّـة وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}

​الحج ركن الإسلام، ومجتمع الإخوة، وفيه تعظيمٌ لشعائر الرحيم الرحمن؛ فقد جاء محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- بدين الإسلام وهو دين الوحدة في العقيدة والاتّجاه، ودين الوحدة في الفكر والعمل؛ دين الوحدة في العقيدة؛ لأن ما جاء به يدعو إلى توحيد الاعتقاد بأن الله خالق الكون ومدبره والمهيمن على جميع الكائنات والموجودات: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

وشاء الله أن يكون محمدٌ -صلى الله عليه وآله وسلم- خاتم النبيين ورسالته خاتمة الرسالات، فقد جاء في سورة الأعراف: {قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}، وفي سورة سبأ: {وَمَا أرسلنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}.

وفي الحديث النبوي: "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهن أحدٌ من قبلي،...، وكان النبي يُبعَث إلى قومه خَاصَّة وبُعثتُ إلى الناس كافةً".

​فالله سبحانَه وتعالى حكيم في خلقه وتقديره، وحكيم في شريعته وأحكامه، وحكيم في هدايته ورحمته، وحكيم في أمره ونهيه وفي جميع أقواله وأفعاله، وحكيم في تشريعه؛ فما شرعه الله لعباده من العبادات والمعاملات مبنيٌّ على الحكمة.

فمن تدبر تشريعه لعباده في الحج ومناسكه وأركانه، علم أن الحج عبادة خالصة لله تقرِّبُ العباد جميعًا -على اختلاف أجناسهم وألوانهم- إلى الوصول إلى السعادة في الدنيا والآخرة، والنجاة من النار: (من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)؛ فهو مؤتمرٌ عامٌّ يجتمعُ فيه البشرُ على توحيد الله ويتعاونون على البر والتقوى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُـلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُـلّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسم اللَّهِ فِي أَيَّـام مَعْلُومَاتٍ}.

​وها نحنُ اليوم في يومِ عرفة نشهدُ اجتماعَ أبناء الأُمَّــة على توحيد الله، فالملايينُ من البشر من مختلف أصقاع الأرض مجتمعون بعَرفة، وفيهم الطبيب والمهندس والفلاح والعالم والجاهل، يجتمعون على الرُّشد والهدى، موحَّدين في لباس واحد، موحِّدين لله الواحد، يدعونه ويعظِّمونه ويأمُلون الحصولَ على السعادة في الدنيا والآخرة، ويتخلَّصون من أسباب الفُرقة والشقاء، فيطيب عيشُهم ويسعدون في حياتهم.

​ومن نِعَمِ الله أنه أنزل على رسولِه في هذا اليوم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسلام دِينًا}.

فيومَ عرفة هو يومٌ يرمُزُ إلى توحُّد المسلمين وتوحيدهم واتّحادهم، يوم تُغفَر فيه الذنوب، وتُستجابُ فيه الدعوات، وينتصر المسلم فيه على أنانيته وشهواته وعلى الشيطان الرجيم، ولهذا فقد جاء في الحديث الشريف: "ما رُئي الشيطان يومًا هو فيه أصغرُ ولا أدحرُ ولا أحقر ولا أغيظُ منه في يوم عرفة، وما ذلك إلا لما يرى من تنزّل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام".

​ومن حكمة الوقوف بعرفة تجديد الشخصية، والانعتاق من الماضي المشوب بالإثم والباطل، وتجديد العهد مع الله على استئناف حياة نظيفة مستقيمة، ومحاربة الباطل، وإعلان البراءة من المشركين الذين يدنسون أرض الإسلام.

فالمسلم كما جاء في الحديث: "المسلم أخو المسلم لا يظلِمُه ولا يسلمُه".

​فإذا أفاض الحجاجُ بعد الغروب من عرفة وهم يستغفرون الله ويذكرونه ويشكرونه، نالوا خير الدنيا والآخرة: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ}.

​بِيْضُ المَنَاسِكِ بِالهُدَى تَتَلَأْلَا ** وَالشَّوْقُ فِي نَفْسِ المُحِبِّ تَعَالَى

​سَارَتْ مَوَاكِبُهُمْ لِأكرم مَوْقِفٍ ** يَرْجُونَ عَفْوًا سَابِغًا وَنَوَالَا

​وَافَوْا إلى عَرَفَاتَ يَدْعُونَ الذِي ** خَلَقَ الوُجُودَ وَقَدَّرَ الآجَالَا

​سَكَبُوا الدُّمُوعَ خَشِيَّةً وَإِنَابَةً ** فَغَدَتْ ذُنُوبُ الخَاطِئِينَ زَوَالَا

​لَبَّيْكَ يا رَبَّ العِبَادِ وَمَنْ لَنَا ** إِلَّاكَ يَغْفِرُ لِلْعَصِيِّ خِلَالَا

​فَإِذَا بِأَنْوَارِ النَّعِيمِ تَحُفُّهُمْ ** وَإذَا بِأَوْزَارِ العِبَادِ ثِقَالَا..

​قَدْ أُبْدِلَتْ طُهْرًا وَصَفْوًا بَعْدَمَا ** حَطُّوا بِبَابِ الخَالِقِ الأَحْمَالَا

​وَأَطَلَّ عِيدُ الأَضْحَيَاتِ كَأَنَّهُ ** تَاجٌ يُصَاغُ مَهَابَةً وَجَلَالَا

​تَبْدُو طَلَائِعُهُ بِبُشْرَى هَامَتْ ** فِي الكَائِنَاتِ مَحَبَّةً وَجَمَالَا

​يا فَرْحَةَ الحُجَّاجِ يَوْمَ نُحُورِهِمْ ** لَمَّا أَصَابُوا فِيكُمُ الآمَالَا!

​فَاسْعَدْ بِأَيَّامٍ مَضَتْ بِطَاعَةٍ ** وَاشْكُرْ إِلَهًا يَمْنَحُ الإِفْضَالَا

​ففي عرفات تفيضُ أنوارٌ ربانية، وتتجلى أخوة إنسانية، إنها الطمأنينة التي يورثها الحج ويستمد منها المؤمنون الثبات والبصيرة، إنها الشحنة الروحية والمدد الإلهي الذي يثبت أقدام السائرين في دروب العزة والفلاح.

​يا موسمَ الرحماتِ جئتَ مبشِّرًا ** بالنورِ يملأُ في القلوبِ ظِلالا

فيك النفوسُ إلى المهيمنِ أقبلتْ ** ترجو الرضا وتفيضُه إقبالا

وعلى صعيدِ الطهرِ علتْ أصواتهم ** تدعو الإلهَ تضرعًا وسؤالا

بيضُ الوجوهِ توحَّدتْ في ربِّها ** ونسيتِ الأجناسَ والأشكالا

لبَّوا فهاجَ الكونُ من تلبيهمُ ** وتضوعتْ نفحاتُه إجلالا

والدمعُ فوقَ الخدِّ أصدقُ شاهدٍ ** أنَّ القلوبَ تعانقُ الآمالا

عَرَفَاتُ هذا قد تجلَّى نورُهُ ** فغدا الزمانُ بنورهِ مختالا

فيه الدعاءُ إلى السماءِ محلقٌ ** يرجو من الرحمنِ فضلًا نَالا

والعيدُ أقبلَ بالبشاشةِ ضاحكًا ** يختالُ بينَ المؤمنينَ كمالا

عيدُ الأضاحي والسرورِ إذَا بدا ** نثَرَ المحبةَ والهدى أنوالا

فيه التراحمُ والتواصلُ والندى ** وتصافحتْ فيه النفوسُ وصالا

وتعطَّرتْ أيامُهُ بعبادةٍ ** رفعتْ إلى أفقِ العلا أعمالا

طوبى لمن جعلَ التقى عنوانَهُ ** وسقى الفؤادَ تعبُّدًا وخلالا

فالخيرُ في طاعةِ الإلهِ وإنها ** تبني النفوسَ سكينةً وجمالا

​إن الحجاجَ وإن اختلفت ديارُهم وتباينت أوطانهم فإنهم إخوةً متحابون متعاونون متناصرون، كما أخبر عن ذلك خاتم النبيين وصوّره لأتباعه المؤمنين بقوله: "مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثلِ الجسدِ الواحدِ إذَا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمى".

​والمؤمنون اليوم فيْ أمسِّ الحاجة إلى الرجوع إلى كتاب ربهم، واتِّباع هدي نبيهم، واستمساكهم بوَحدتهم، ففيها وجودُهم واستردادُ قوتهم وعزتهم، وهم مسؤولون أمام الله عن نصرة إخوانهم في فلسطين ومحور المقاومة؛ فلا المذاهب الدينية، ولا الأهواء السياسية، ولا العصبيات الجنسية، ولا تباعُد الأمكنة، ولا اختلاف الأقطار يمكن أن يفرق بينهم، فالإسلام أمتُه واحدة، ودولتُه واحدة، وأحكامُه واحدة: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّـة وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.

​فرابطة الإسلام فوقَ كُـلّ رابطة، ومردُّ كُـلّ صلة إليه: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أولياء إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأموال اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}.

إن هذا النداء الرباني يضع الأُمَّــة اليوم على محكّ الصدق والمسؤولية؛ فالحج هو استنهاض للقلوب والهمم، وليس مُجَـرّد رحلة أبدان.

ومن قلب مشاعر الطهر ومواطن الإجَابَة، تتجه قلوب الملايين نحو القدس وغزة وفلسطين، معلنةً أن دماء الشهداء وآهات الجرحى هي قضية الأُمَّــة الأولى التي لا تقبل القسمة ولا التراجع.

فلنترجم حَجَّنا وتوحيدَنا إلى وَحدة في الموقف، ونصرة في الميدان، وثبات على الحق، حتى يأذنَ الله بنصر مؤزر تعود به إلى الأُمَّــة هيبتها وعزتها، وما ذلك على الله بعزيز: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.