تظهر المقارنات القرآنية في محكم التنزيل كأدوات معرفية في غاية الدقة؛ لتفكيك الطبيعة البشرية وفهم تحولات المجتمعات والأفراد.

ولعل التشبيه الإلهي الذي يربط بين الكلمة الخبيثة والشجرة الخبيثة التي اجتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار، يمثل أصلًا ثابتًا لفهم صنف من البشر يصر على مجافاة الفطرة والوقوف في خندق الإنكار مهما ترادفت أمامه الأدلة واستبان له الحق.

لقد اختصر القرآنُ الكريم حالَ هؤلاء وحسَمَ مصيرَهم بقوله تعالى: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرض مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}.

إن هذا الصنف الذي يشبه الشجرة العقيمة الخبيثة هو ظاهرة مركَّبة من التعصب الأعمى، والتبعية المطلقة؛ مما يجعل عقولَهم محصنةً ضد أي اختراق فكري إيجابي، ومغلقة تمامًا أمام أنوار الحقيقة، حَيثُ يتحول العناد لديهم إلى بنية عقائدية مشوهة تدير وتوجّـه كُـلّ تفاعلاتهم مع الواقع المحيط بهم.

عند تفكيكِ هذه الظاهرة، نجدُ أن "الشجرةَ الخبيثةَ" في عالم الأفكار والمواقف تتغذَّى على مياهٍ آسنةٍ من التضليل الممنهج والوعي المزيَّف لخدمة أجندات الصهيونية الأمريكية.

إن الإنسانَ الذي يرتضي لنفسه أن يكونَ صدىً لأبواق الباطل، يصلُ إلى مرحلةٍ من الجمود الفكري تنعدمُ معها مرونتَه العقلية، فيصبح عاجزًا عن التمييز بين ما ينفعه وما يضره، وبين ما يحفظ سيادته وكرامته وبين ما يستعبده ويهينه.

وهذا الانسدادُ المعرفيُّ ناتجٌ عن فساد في المنطلق وسوء في السريرة جعلت قلبه أرضًا سَبِخَةً لا تقبل بذور الحق، مما يجعله يدور في حلقة مفرغة من الجدال العقيم الذي يهدف إلى إثارة الغبار حول الحقيقة والطعن في خاصرة مجتمعه وناسه.

وإفراز هذا العقم الفكري والسقوط الأخلاقي يتجلى في أوضح صوره عند إسقاطه على واقع الأُمَّــة الإسلامية اليوم في مواجهتها الاحتدامية ضد كِيان الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي.

حَيثُ تحولت الأحداث إلى مصفاة تاريخية كبرى وموسم إلهي متجدد لفرز السرائر، تمامًا كما جعل الله من فريضة الحج ومناسكه الكبرى منطلقًا لإعلان التبرؤ الحاسم من قوى الاستكبار والشر، مصداقًا لقوله تعالى: {‏وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأكبر أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.

فالأحداث الجارية اليوم في غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران قد أسقطت كُـلّ الأقنعة، وكشفت عورات الوعي لدى قطاعات واسعة من الأنظمة العربية والنخب الذين يقفون اليوم موقفَ المتفرج العاجز، أَو موقف المثبط والمبرّر للعدوان، متناسين أن براءةَ الدين والأمة من أعدائها هي أصلُ من أصول العزة والسيادة، وأن التعامي عن هذه الحقيقة الساطعة يعكسُ حجمَ التغلغل الذي أحدثته الكلمة الخبيثة في جسد الأُمَّــة التي رضي بعضها لنفسها أن يكون شجرًا عقيمًا لا ينبض بكرامة ولا يثمر نصرة لإخوانهم في الدين والدم.

نعيش اليوم يقينًا في "زمن كشف الحقائق" الفاضح، الذي تلاشت فيه المساحات الرمادية وتمايزت فيه الصفوف بشكل حاسم،

فالمشهد المعاصر يضع الجميع أمام خيارَين لا ثالث لهما:

إما مؤمن صريح بقراره وسيادته وقضايا أمته العادلة، يقف ثابتًا في خندق العزة والكرامة ومعلنًا براءته من الطواغيت،

وإما منافق صريح ارتهن للأمريكي و"الإسرائيلي" وباع هُويته وصار خنجرًا مسمومًا في ظهر المقاومين الأحرار.

هذا الفرز الإلهي والتاريخي يثبت أن خطورة هذا الصنف المنافق تكمن في كونه يتحول إلى معول هدم داخل البناء الاجتماعي والوطني، يسعى جاهدًا إلى بث سمومه التثبيطية في أوساط الآخرين، مستغلًا الذباب الإلكتروني لتوجيه طعنات الغدر المعنوية وتزييف الوعي الجمعي والتشكيك في جدوى التضحيات والمبادئ الروحية والوطنية التي تحمي كرامة الأُمَّــة وحياضها.

وأمام هذا الواقع، يحتم الواجبُ توجيه كُـلّ الطاقات وصياغة الخطاب الواعي نحو الأرض الخصبة والعقول الحرة والنفوس العزيزة الشريفة التي تمتلك القابلية الفطرية للنمو والبناء، والقدرة على حمل مشاعل الوعي والذود عن ثوابت الأُمَّــة ومقدساتها الأصيلة، تاركين أهلَ الزيف والتبعية والذباب الإلكتروني يتخبَّطون في نفاقهم، فالأحداثُ قد كشفت مواقفَهم وتعرَّى ارتهانُهم المخزي، والتاريخ لا يخلد في صفحاته المشرقة إلا أصحاب الكلمة الطيبة والشجرة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.