على امتداد سنوات طويلة، راهن كثيرون على أن الحصار سيكسر إرادَة اليمنيين، وأن المعاناة ستدفعهم إلى الاستسلام، وأن انقطاع الرواتب وتدهور الأوضاع المعيشية سيحول شعبًا عريقًا إلى كتلة من اليأس والعجز، لكن الوقائع أثبتت عكس ذلك تمامًا.

لقد تحمل اليمنيون من الأعباء ما تعجز عن احتماله شعوب كثيرة، وصبروا في مواجهة ظروف استثنائية دفاعًا عن وطنهم وسيادته وكرامته الوطنية، غير أن هذا الصبر لم يكن يومًا مرادفًا للتنازل عن الحقوق، أَو القبول بالظلم، أَو السكوت على نهب الثروات والمقدرات.

إن الشعبَ اليمني، وهو يواجه تحدياته اليومية، يدركُ أن ثروات بلاده ليست ملكًا لأحد، وليست غنيمة تتقاسمها الأطراف والقوى المتصارعة، وليست ورقة مساومة في حسابات السياسة الإقليمية والدولية، ويعلم أنها هي حق أصيل لكل يمني، ورافعة أَسَاسية لبناء الدولة وتحقيق التنمية وصون كرامة الإنسان.

لقد أثبتت التجارب أن سياسة التجويع والضغط الاقتصادي تزيد الأزمات تعقيدًا، وتعمق مشاعر الغضب والرفض لدى الشعوب الحرة التي تدرك حقوقها وتتمسك بها مهما بلغت التضحيات.

واليوم تقف اليمنُ أمام مرحلة مفصلية تتطلب وعيًا وطنيًّا عاليًا وإحساسًا عميقًا بالمسؤولية، فالمعركة معركة حقوق وسيادة وموارد ومستقبل أجيال كاملة تتطلع إلى حياة كريمة في وطن حر مستقل.

ومن يظن أن اليمن يمكن أن يُدار بمنطق الوصاية، أَو أن إرادَة شعبه يمكن أن تخضع بفعل الضغوط الاقتصادية، فإنه يقرأ التاريخ بعين واحدة، ويتجاهل حقيقة راسخة مفادها أن الشعوب قد تصبر على الألم، لكنها لا تتخلى عن حقوقها ولا تفرط في كرامتها.

إن اليمنيين اليوم أكثر إدراكًا من أي وقت مضى بأن مستقبلهم يصنعه التمسك بالحقوق والعمل المشترك والدفاع عن الثروة الوطنية؛ باعتبَارها ملكًا لكل أبناء الوطن دون استثناء.

وسيظل صوت اليمن عاليًا مطالِبًا بالحرية والاستقلال والعدالة والإنصاف واحترام السيادة والحقوق؛ لأن الأوطان لا تُبنى بالحصار ولا بالتجويع، وإنما تُبنى بالكرامة والاحترام المتبادل، والإعداد والاستعداد والجهوزية العالية لصون هذا الوطن وحماية ثرواته وحريته واستقلاله.

فاليمن لم يكن يومًا لقمةً سائغةً لأحد، ولن يكون، وشعبُه الذي صمد في وجه العدوان والحصار السعوديّ الأمريكي قادرٌ على حماية حقوقه وانتزاع مستقبله وصناعة غده بإرادَة لا تنكسر وعزيمة لا تلين.