في البدء، كان الحصار.

حصارًا ظالمًا، متكاملًا، لم يترك منفذًا بحريًا أو جويًا إلا وأغلقه، ولا مادة غذائية أو دواء إلا ومنعها، ولا سفينة تحمل قمحًا أو وقودًا إلا وأوقفها، في مشهد أراد له تحالف العدوان أن يكون نهاية اليمن، أو على الأقل تحويله إلى سجن كبير، تغيب فيه الشمس عن موانئه، وتختفي فيه الحياة خلف جدران الجوع والحصار.

لكن السؤال الذي نحاول البحث عن إجابة له في هذا المقال، حتى يقف أمامه كل من تابع مسار العدوان على اليمن خلال السنوات الماضية، هو:

كيف استطاعت صنعاء، بعد كل تلك السنوات من الضغط والحصار، أن تقلب الطاولة على العدو، وتفرض معادلة الحصار بالحصار، وتجعل البحر الأحمر ساحة ردع، وليس ممرًا آمنًا للنفط والثروات؟

الحقيقة التي تؤكِّدُها الأحداث، وتثبتها الضربات البحرية الدقيقة التي شهدها العالم أخيرًا، هي أن اليمن اليوم يكتب قانونًا عسكريًا جديدًا، مفاده أن أمن البحر الأحمر واستقرار الملاحة فيه لم يعد مرتبطًا بالإرادات الخارجية، ولا بالأساطيل الجبارة، بل أصبح مرتبطًا، بشكل جوهري، بفك الحصار الظالم عن الشعب اليمني وموانئه.

لقد أدركت صنعاء مبكرًا أن معركة البحر هي امتداد لمعركة وجودية بدأت منذ اللحظة الأولى التي فرض فيها العدوان حصاره الخانق.

فبينما راهن تحالف العدوان على أن قطع الإمدادات وتجويع الملايين سيكسر إرادة اليمنيين، كانت القوات المسلحة اليمنية تعمل بصمت وذكاء استخباراتي فريد، ترسم فيه ملامح مرحلة جديدة من الردع، لم تكن في حسابات أي من الأعداء.

وهنا يجدر بنا أن نتوقف قليلًا أمام تلك القدرات الاستخباراتية التي أذهلت الجميع، حين أصبحت الضربات العسكرية اليمنية في البحر الأحمر تشبه العمليات الجراحية الدقيقة، فتستطيع تحديد هوية السفن التي تنقل الاقتصاد السعودي، أو ترتبط به مباشرة، وسط زحام الملاحة الدولية، وكأنها تعمل ببوصلة إلهية ترى ما لا تراه الأقمار الصناعية.

وهذا ليس ضربًا من الخيال، هو نتيجة تراكم خبرة، وصبر طويل، ويقظة استثنائية، وقيادة حكيمة أثبتت أن القوات المسلحة اليمنية تمتلك عيونًا استخباراتية لا تغفل، وأن القيادة اليمنية تمتلك عبقرية في التخطيط والتنفيذ، لا تتوفر إلا لمن صنع الله له النصر، وتحرك في سبيله، فكان هذا النصر متحققًا لا ضربًا من الخيال.

في اللحظة التي كانت تعتمدُ فيها الرياض على ميناء ينبع كبديل استراتيجي لتصدير نفطها؛ هربًا من المخاطر التي تهدد مضيق باب المندب، جاءت الضربات اليمنية لتعلن بكل وضوح أنه لا ممر آمن، ولا نافذة مفتوحة، طالما استمر العدوان والحصار على اليمن.

إنها رسالة مباشرة، مفادها أن البحر الأحمر برمته، من باب المندب إلى خليج العقبة، هو ساحة مواجهة مفتوحة، وأن استهداف ناقلتي النفط السعوديتين "إنسيليا" و"ليلى" لم يكن سوى البداية، وأن ما تم الكشف عنه من صواريخ بحرية جديدة ومتطورة هو إعلان عن قفزة نوعية في التصنيع العسكري المحلي، تجبر شركات التأمين العالمية على إعادة حساباتها، وتجعل الملاحة الدولية تعيد النظر في كل ميل بحري تقطعه في مياه المنطقة.

ولكن الأكثر إثارة للانتباه، وأعمق أثرًا في المشهد، هو ذلك السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على كل منصف:

لماذا يُعد الحصار البحري الشامل الذي تفرضه قوى العدوان على اليمن، ومنع دخول المواد الغذائية والدواء، وإغلاق المطارات، عملًا مشروعًا وطبيعيًا في نظر القانون الدولي الإنساني "اللا إنساني"، كما تروّجه واشنطن، بينما حين يمارس اليمن حقه الطبيعي في الدفاع عن نفسه، ويضرب سفنًا تحمل النفط أو السلاح للعدو، يُصنف الأمر فورًا على أنه تهديد للملاحة الدولية وانتهاك صارخ للمواثيق؟

إن هذه الازدواجية في المعايير هي جوهر المعركة، وهي ما دفع صنعاء إلى القول بكل جرأة ووضوح:

الحقوق المشروعة ليست حكرًا على أحد، فطالما أن السفن السعودية تغلق منافذ اليمن، ومطارات السعودية تغلق مطارات اليمن، فمن حق صنعاء أن تغلق منافذ ومطارات العدو، فرضًا لمنطق السيادة والندية، لا لمنطق الضعف والاستسلام.

اليمن اليوم يمارس حقه الطبيعي والمشروع في معادلة الحصار بالحصار، وهي معادلة لم تكن في حساب المحاصرين، الذين ظنوا أن بوسعهم تجويع شعب بأكمله، ثم يظلون بمنأى عن الرد.

وهذه المعادلة الجديدة، التي يفرضها واقع البحر اليوم، هي التي أطاحت بكل ادعاءات العدوان حول قدرته على فرض منطقة آمنة بحرية، وجعلت النظام السعودي أمام خيارين لا ثالث لهما:

الأول، الاستمرار في سياسة الحصار العدوانية، وهو خيار يعني استمرار الخسائر الاقتصادية الفادحة، وارتفاع تكاليف التأمين إلى عنان السماء، وتحول كل سفينة تحمل علم السعودية إلى هدف مشروع، في بحر لم يعد آمنًا لأحد.

والثاني، فك الحصار عن الشعب اليمني، وبشروط يمنية لا تقبل الوصاية، تعيد للشعب اليمني اعتباره، وتوقف نزيف الدم والاقتصاد معًا.

أما إذا أصر العدوان على غيه وتصعيده، وهو الاحتمال الأقرب إلى منطق العنجهية الذي تعود عليه تحالف العدوان، فإن المرحلة المقبلة، في اعتقادي، لن تقتصر على البحر.

فقد نشهد استهدافًا مباشرًا للبنية التحتية النفطية في عمق السعودية، كما فعل اليمن من قبل حين قصفت طائراته المسيّرة أرامكو، وأثبت حينها أنه يمتلك القدرة على الرد الموجع والمدمر، وليس فقط الرد البسيط أو الرمزي.

إن الحديث الآن عن حماية بحرية، أو عن تحالفات دولية لمواجهة القوات المسلحة اليمنية، يبدو أشبه بمحاولة إطفاء حريق بزجاجة ماء، خاصة وأن اليمن أصبح اليوم يمتلك ترسانة متنوعة، وخبرة متراكمة، وقيادة لا تهاب التحديات، وشعبًا عانى الحصار لسنوات، فلا يهاب المزيد من المعاناة.

إن ما قامت به القوات المسلحة اليمنية هو إعلان صريح عن مرحلة جديدة من الردع الاستراتيجي، أصبحت فيه بحارنا وممراتنا المائية حقًا مشروعًا للشعب اليمني، وأداة ضغط شرعية لإجبار العدو على العدالة.

وهي كفيلة بحسم معادلة النصر، لأن النصر في ثقافتنا هو فرض إرادة، وتحرير قرار، واستعادة كرامة، وتثبيت حقيقة أن اليمن لا يُقهَر، وأنه سيثبت للعالم من جديد، كما فعل طوال تاريخه، أن العدوان عليه وحصاره لهما تكلفتهما الباهظة، وأن السلام العادل المشروط هو سلام يبدأ برفع الحصار الشامل دون قيد أو شرط، وهو السبيل الوحيد لاستقرار الملاحة الدولية وأمن المنطقة كلها.

فليدرك العالم أن معادلة اليوم لم تعد كما كانت بالأمس، وأن صنعاء ستكسر الحصار، وسترسم مستقبل البحر الأحمر بالحقوق المشروعة لشعبها، التي لا مساومة عليها، ومعها القوات المسلحة اليمنية وقيادتها الحكيمة، وأن قوة الأساطيل والبوارج قد لقنها اليمني دروسًا في عباب البحار على مدى معركة طوفان الأقصى، كفيلة بتلقينها درسًا أشد مما مضى.