اثنا عشر عاماً واليمنيون يتجرعون مرارة الألم.

قرابة عقدٍ ونصف من النيران والشظايا، ومن سَلِمَ من قصف الطائرات أكلت أمعاءَه سهامُ الحصار.

لم تبقَ أسرَةٌ يمنية إلا ولمسَت هذا الوجع في بيتها.

تجرّع المرضى الموتَ بطئاً وهم ينتظرون رحلة علاج لن تأتي.

أُغلقت الموانئ، وسُدّت المنافذ، وصار القوتُ اليومي رهيناً لقراراتٍ تسلطية خارجية.

ولكن الصدمة ليست في حجم المعاناة وحدها.

القسوة الحقيقية تكمن في حجم النفاق الممتد.

أنظمة عربية سارعت لإدانة موقف اليمن.

تبنّت البيانات المنددة دون تردد.

تحدّث مسؤولون بلغةٍ صاغتها مطابخ أمريكا والرياض.

تناسوا عمداً كُلَّ ما جرى لشعبٍ كامل طوال هذه السنين.

أين كانت هذه الإدانات العاصفة حين كانت سماء اليمن تُمطر ناراً وقنابل؟ أين كانت هذه الأصوات المتباكية حين اختنق الأطفال بحثاً عن جرعة دواء؟

سؤال نوجهه لهذه الأنظمة: بالله عليكم هل ترضون لبلدانكم هذه المعاناة من عدوان وحصار؟

هل تقبلون أن يتحكم طرف خارجي بلقمة عيش أبنائكم ورغيف خبزهم؟

هل تقبلون أن يصبح دواء أطفالكم رهيناً بإذن سفر من عاصمة مجاورة؟

وهل تقبلون أن يموتَ عشراتُ الآلافِ من مرضاكم بانتظارِ رحلاتِ العلاجِ إلى الخارج، وهل.. وهل...؟!

بالتأكيد.

لا أحد يقبل ذلك لنفسه.

لكنهم ارتضوه لليمن وأهله دون أن يرمش لهم جفن.

فـ «مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟!»

كُفّوا عن مغالطة الحقيقة؛ أنها أجندة صهيونية بامتياز، تُدار بأيدٍ تنتسب إلى الأمة الإسلامية ولسانها.

أين كانت هذه الأصوات وغزةُ تُقصف؟! عقودٌ من نداءات فلسطين ذهبت أدراج الرياح؛ استنصرتهم غزة وهي تحت جحيم الإبادة، فلم تجد منهم إلا التخلي والخِذلان!

وعندما نهض اليمن بدوره الإنساني والأخلاقي، وآثر أطفال غزة على نفسه في أوج معاناته، صبّوا جام غضبهم عليه.

يا أمة الإسلام أفيقوا المشروع الصهيوني واضح المعالم، يسعى لاستعباد الشعوب واستباحة أوطانها.

خذلوا فلسطين بالأمس، ويحاصرون اليمن اليوم، وسيصل الدور إلى عواصمكم غداً إن استمر الخنوع.

غير أن الموازين اختلفت الآن.

وارتسمت معادلة جديدة لا تراجع عنها: الحصارُ بالحصار.

الوجعُ يواجهه الوجع.

من أذاق غيرَه مرارة التضييق والمنع، عليه اليوم أن يتذوق الثمن ذاته.

اليمن الواثق بالله وبحقوقه عازمٌ على كسر هذا الطوق وانتزاع حريته بقوة الله.

لم يعد ينتظر الشفقة من أحد.

لم يعد يراهن على بيانات التنديد التي تُباع وتُشترى في أسواق المصلحة الضيقة.

تَرقَّبوا.. فالقادمُ يحملُ تحولاتٍ أعمقَ وأقسى على كلِّ من حاصرَ وشارك.

المعادلةُ فرضت حضورَها، واليومَ ليس كالأمس.

فالحقوقُ في هذا العالمِ لا تُوهَب، إنَّما تُنتَزَعُ انتزاعاً.