تستدل جماعةُ "الإخوان" والوهابية على جواز الصُّلح والهدنة مع اليهود والنصارى، والعيش تحت حكمهم وسيطرتهم، بأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله عقد معهم في المدينة هدنة، وعاش تحت سلطة المشركين ثلاثة عشر عامًا في مكة.
وهي دعاوى باطلة، وحجج واهية، الغرضُ منها تدجينُ شعوب الأمة، وترويضُها حتى يتمكنَ اليهودُ والنصارى من السيطرة على الأمة، واحتلال أرضها بالقوة، وحكم شعوبها دون مقاومة.
وقد بيَّن الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- بُطلان هذه الحجج والأدلة، وخطورة هذا الطرح والتوجه على الشعوب العربية والإسلامية، فذكر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله لم يخضع لسلطة المشركين في مكة، فقد كان يقارعهم بالموقف والحُجَّة، ويلتقي القبائلَ العربية أثناءَ موسم الحج، ويعرض عليهم الإسلام، ويقرأ عليهم القرآن، حتى ضاقوا منه ذرعًا، وقرروا التخلص منه نهائيًا، فأذن الله له بالهجرة منها.
وتعرّض أصحابه للضرب والتعذيب والإبعاد من مكة، ولم يكن يتعبد في محرابه ويقدم لهم الولاء والطاعة كما يصور "الإخوان" والوهابية، ولم يعقد الهدنة مع اليهود في المدينة حبًّا فيهم، أو رغبةً في التعايش معهم، والله سبحانه وتعالى يقول عنهم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}.
فرسول الله صلى الله عليه وعلى آله عقد الهدنة معهم من موقع قوة، فقد كانوا في ذلك الوقت تجمعات صغيرة، لا يشكلون خطرًا كبيرًا على المسلمين في المدينة، وكانت السلطة والسيطرة في المدينة المنورة للأنصار -رضي الله عنهم-، وكانت أولوية المسلمين في المدينة هي مواجهة المشركين الذين كانوا يشكلون خطورة كبيرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله على يقين أن اليهود سينقضون العهود، كما حكى الله عنهم: {أَفَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ}، فلم يأمن جانبهم، لقد كان يعد المسلمين في المدينة لمواجهة من هو أكبر منهم، وهم المشركون ومن تحالف معهم، وحينما ينقض اليهود ذلك العهد سيتمكن من القضاء عليهم بسهولة على هامش المعركة، وذلك ما حدث تمامًا مع يهود خيبر، وهوازن، وبني قينقاع، وبني النضير، وغيرهم.
وهذا ما يحدث اليوم تمامًا مع بني سعود وآل زايد ومن إليهم، فحينما وافقت القيادة الثورية الحكيمة في صنعاء على الهدنة معهم، لم يكن إيمانًا منها بأنهم سوف يلتزمون بها، أو ينفذون شروطها ومخرجاتها، فعلاقتهم بالأمريكيين والصهاينة لن تسمح لهم بذلك، وتاريخهم في اليمن والمنطقة شاهد على إجرامهم.
وكانت موافقة القيادة اليمنية على الهُدنة معهم من منطلقات إيمانية قرآنية: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}، فقبلت اليمن بالهدنة من موقع قوة، بعد أن طالت صواريخها ومسيراتها أبعد نقطة في السعودية، وأصابت منشآتها النفطية بدقة عالية.
وكانت القيادة والقوات اليمنية على يقين أن الرياض سوف تنقض الهدنة، وتستغل الفرصة لشن عدوان جديد على صنعاء في أية لحظة، فلم تكتفِ صنعاء بالاستعداد لهذه اللحظة، ولا لمواجهة بني سعود وحدهم في المنطقة، فقد استعدت لمن هو أكبر منهم، ومن يقودهم على أنوفهم منذ وجودهم.
فجاءت معركة طوفان الأقصى، ودخلت صنعاء طرفًا فيها إلى جانب المقاومة في غزة، وخاضت معركة مباشرة مع الأمريكيين والصهاينة، وكانت صنعاء خلال هذه المواجهة جاهزة لتوجيه ضربة قاتلة لبني سعود إذا استغلوا الفرصة، ونقضوا الهدنة، وتدخلوا ضدها في هذه المواجهة، إلا أنهم شاهدوا الكفة تميل لصالح القوات اليمنية، فتوقفوا عن المغامرة، وخرجت صنعاء من هذه الجولة منتصرة بشهادة العالم.
ومع ذلك، لم تبادر صنعاء إلى أخذ ثأرها من الرياض، فقط طالبتها بحقوقها المشروعة والعادلة، وفي مقدمتها رفع الحصار، وإعادة الإعمار، وتعويض الأضرار، إلا أن الرياض رفضت ذلك بشدة، وأصرت على مواصلة حصارها وإجرامها بحق الشعب اليمني، وقامت بقصف مطار صنعاء الدولي، فردت عليها القوات اليمنية بقصف مطار أبها، وفرضت عليها معادلة جديدة عنوانها: (الحصار بالحصار، والمطار بالمطار، والتصعيد بالتصعيد).
فحاول ابن سلمان اختراق هذه المعادلة بتوجيه ضربة عدوانية لميناء الحديدة، فجاءه الرد اليمني السريع والمؤلم في ينبع وجيزان والشرقية، ولا تزال هذه المعادلة قائمة، ولا تزال القوات اليمنية تنتظر أية حماقة أو مغامرة من الرياض لتذيقها وبال أمرها، وكانت عاقبة أمرها خُسرًا، فصنعاء جاهزة لجولة جديدة مع الأمريكيين والصهاينة، وسيكون سقوط بني سعود -بإذن الله- على هامش هذه المعركة.